بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد: أيها الإخوة :
فقد أوصى الإمام جعفر الصادق -رضوان الله عليه, وهو من الائمة الكبار لأهل البيت- , أوصى ابنه- موسى الكاظم- فقال له: " يا بني احفظ وصيتي تعش سعيدا, وتمت شهيدا,- وفعلا مات الكاظم في خلافة هارون الرشيد بالسم شهيدا, شأنه في ذلك شأن الأغلب من أئمة آل البيت رضوان الله عليهم أجمعين- " يا بني احفظ وصيتي تعش سعيدا وتمت شهيدا , يا بني من رضي بما قسم الله له ..استغنى , ومن مد عينيه الى ما في يد غيره ..مات فقيرا , ومن لم يرض بما قسم الله ..اتهم الله في قضاءه , ومن استصغر ذلة نفسه ..استعظم ذلة غيره, ومن استعظم ذلة نفسه.. استصغر ذلة غيره, ومن كشف حجاب غيره.. انكشفت عورات بيته, ومن سل سيف البغي ..قتل به , و من دخل مداخل السوء ..اتهم , يا بني : قل الحق لك أو عليك , وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال , ثم قال له : يا بني , من داخل السفهاء حقّر, ومن خالط العلماء وقّر, ومن احتفر لأخيه بئرا سقط فيها".
نريد أن نشرح هذه الوصايا شرحا موجزا , من رضي بما قسم الله له استغنى , الغنى غنى القلب , ليس الغنى في كثرة المال , وليس الفقر في قلة المال , فالنبي- صلى الله عليه وسلم -سأل أبا ذر يوما, قال له: يا أبا ذر, هل ترى كثرة المال هي الغنى؟ قال: نعم يا رسول الله , قال : وترى قلة المال هي الفقر؟ قال: نعم يا رسول الله, قال : كلا , إنما الغنى غنى القلب , الغنى في القناعة , في الرضا بما قسم الله لك , وحسن الاستغلال لهذا المقسوم والتكيف معه و الحياة في حدوده , لكن هل هذا الرضا يتنافى مع أخذ الأسباب من أجل تطوير الذات , ومن أجل الوصول إلى الأفضل والأحسن ؟ كلا: إن الله تعالى يقول {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } إن الإسلام يريد منك ألا تتضجر و ألا تتذمر , وألا تتسخط على القضاء والقدر , فالأمور مفروغ منها , و كل ميسر لما خلق له , أنت لا تدري ما هو القسم الذي قسمه الله لك في معيشتك ؟ فعليك أن تسعى , بكل ما أوتيت من قوة , لكن والرضا يملأ قلبك , لأنك لم تستطيع أن تغير ما تتخيله بأنه حيف بك , أو ظلم عليك , نحن قسمنا بينهم معيشتهم , ولا تنسى أن هذه الحياة قائمة على سنة الابتلاء , لأن الله جل جلاله يقول {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ , وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ , كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ , وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ , وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً } , فالمسألة آتية في سياق الابتلاء , إذا ارض بما قسم الله لك.. تكن أغنى الناس , كثير منا يحقر ما لديه , ويعترض.. ويتمرد , ويتذمر , ولو تأمل ما حوله جيدا لوجد كثيرا من نعم الله التي تغطيه من رأسه الى ساسه , لكن مشاعر الطمع والجشع هي التي تحرم الإنسان من مشاعر الرضا , ومن مشاعر التسليم لله تعالى , كم من نعمة يغفل عنها الإنسان , ولا يحس بها , إلا إذا غابت عنه أو غاب عنها , لكن نعم الله كثيرة كما قال تعالى {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } من رضي بما قسم الله له , الرضا بالمقسوم أو بالواقع مع حسن استغلاله والتكيف معه, والحياة في حدوده , والأخذ بكل الأسباب المتاحة لتحسين الحال وللوصول الى الأفضل والى الأحسن , هذا لا يتنافى مع الرضا والتسليم , ثم قال: ومن مد عينيه الى ما في يد غيره مات فقيرا, صحيح هذا الكلام لأنك مهما مددت عينيك الى الآخرين, فسوف تجد دائما من هو أغنى منك , من هو أحسن حالا منك , ولذلك لم تقنع ولن ترض , وسوف تقضي هذا العمر القصير الذي كتبه الله لك في الجري والركض, ولم ينالك إلا ما كتب الله لك , ولذلك جاء قول الله تعالى {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى } نحن قسمنا بينهم معيشتهم , الله تعالى وزع الأرزاق بين العباد , لكن ليس معنى هذا -كما قلت - أن نستسلم لأننا لا نعرف ما هو الرزق المكتوب لنا , فعلينا أن نرضى بما قسم الله , مع السعي الحثيث , وكما قلت ليس هناك تضاد و لا تنافي بين الأمرين. سبحان من قسم الحظوظ فلا عتاب ولا ملاما فأعمى وأعشى ثم ذو بصر وزرقاء اليمامة .
دائما انظر إلى أصحاب الكمالات النفسية, وانظر إلى أصحاب المواهب الأدبية , وانظر إلى أصحاب الكمالات العقلية , انظر إلى من هو أعلى منك في الدين والعلم والأدب وفي الدنيا , حتى لا تزدري نعمة الله عليك , انظر إلى من هو دونك , نحن للأسف الشديد في أحيان كثيرة نعكس الأشياء, في الدنيا ننظر دائما الى من هو فوقنا, ولا نأبه و لا نعبأ بالكمالات النفسية , لا يثيرنا تقدم فلان في الدين , ولا تقدم فلان في العلم , ولا تقدمه في الأدب , لكن يثيرنا الجانب المادي الصغير , ولذلك نتعب في هذه الحياة , (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) ما أعده الله للمؤمنين , كان أحد الصالحين وهو يعزي نفسه ويروضها على الرضا بما كتب الله له , يقول:" ليس بيني وبين أغنى ملوك الأرض , إلا يوم واحد , ما مضى فقد مضى علي و عليه (انتهت لذته ) , وما سيأتي لا أدري هل سيأتي أم لا يأتي , أما اليوم فهو هناك فرق بيني وبينهم , في اليوم فقط " وهذا كلام في غاية العقل , وإلا سيقطع نفسه حسرات , لأن النفس مفطورة على حب الدنيا وعلى حب الرياش والاثاث وما شابه , لكن العقل هو الذي -كما قلت- يكيف نفسه ضمن هذا الشعور -شعور الرضا والتسليم لله تعالى - ولذلك قال جعفر الصادق في وصيته الأخرى لابنه قال:" ومن لم يرض بما قسم الله فقد اتهم الله في قضاءه" أنت عبد و لست ملكا , لله أن يمتحنك ولله أن يبتليك , وظيفتك العبودية {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } هذه الوظيفة الكبرى للإنسان في هذه الحياة , وفي هذه الفترة القصيرة المسماة بالحياة الدنيا , إن الله تعالى يقول {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } لا تعترض ...الاعتراض لا يجدي لأن هذه أمور مفروغ منها , وكل ميسر لما خلق له {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } , يا بني من استصغر زلة نفسه ..استعظم زلة غيره, ما الذي يدفعك لانتقاد الآخرين أو للبحث عن عيوبهم؟ لأنك نسيت عيوبك أو لأنك رأيت أن عيوبك أقل من عيوب الآخرين , ولذلك بسطت لسانك في الآخرين, من استصغر زلة نفسه ..استعظم زلة غيره , ثم يقول له: لكن من استعظم زلة نفسه ..استصغر زلة نفسه , عندما تشتغل بعيوبك وعندما تشتغل بنقد ذاتك وعندما تشتغل برصد سلبياتك وسيئاتك , عندئذ لن يبقى لك وقت ولا مجال , لأن تعدد عيوب الآخرين . جرب سل نفسك قبل أن تتكلم عن عيب شخص آخر , سل نفسك, قف برهة وفكر, هذا العيب الذي تتحدث عنه عند فلان, ألا يوجد مثله عندك؟! لو أن كل إنسان اشتغل في عيوبه وبنقد نفسه و رصد سيئاته –كما قلت- لما وجد الوقت ليبسط لسانه بالآخرين , ولذلك جاء في الأثر:" طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس " إنما كما يقول المثل "الجمل لا يرى اعوجاج رقبته " نحن لا نرى عيوبنا, لكننا نرى عيوب الآخرين مضخم, ولذلك كثير منا يشتغل جّل وقته ربما في عيوب الآخرين , لأنه استصغر زلة نفسه .
فالرجل المربي العظيم يقول :" من استصغر زلة نفسه.. استعظم زلة غيره " أخذ يكبر ويضخم المثالث , ويطوي المحامد , لكن جرب يا أخي العزيز, استعظم ذلة نفسك, حاسب نفسك , ارصد عيوبك , ارصد سلبيات , سوف يخف حديثك عن الناس , ثم يقول: "ومن كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته " إن الله سبحانه و تعالى نهى عن التجسس فقال جل جلاله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا} وهذا في سياق تماسك البناء الداخل للمجتمع الإسلامي , لا مجال لبناء المواقف على الظن أبدا , لا مجال لشيوع الفاحشة , لا مجال لشيوع الفاحشة , لا مجال للتجسس , والتجسس معناه : تتبع عورات الآخرين , تّسمع أحاديثهم وأحوالهم وهم كارهون , والجزاء من جنس العمل , (يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) من كشف حجاب غيره ..انكشفت عورات بيته , -هكذا يقول الإمام جعفر الصادق رضوان الله عليه- نحن مأمورون بالستر في المجتمع الإسلامي , إن النبي -صلى الله عليه وسلم -يقول :" من ستر على مسلم في الدنيا , ستره الله في الدنيا والآخرة " فكيف نقوم بترويج الإشاعات , وبتتبع عورات الآخرين , مما يؤسف له في مجتمعاتنا العربية ,أن هناك نفرا من الناس لديهم ولع شديد بنشر كل ما هو سيء , يسمع خيرا كثيرا, لكنه لا يحمل منه شيئا , وإذا سمع بعض الشر طار به كل مطار , ما أجمل ما يقوله أحدهم يقول :
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا مني وما سمعوا من صالح دفنوا
حالة مرضية عجيبة جدا, يدفن الخير والصلاح , لكنه يطير بالشر , قال -صلى الله عليه وسلم - :" من كشف عورة أخيه , كشف الله عورته حتى يفضحه ولو في بيته " وصعد المنبر -صلى الله عليه وسلم -ثم قال بصوت رفيع:" يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلي قلبه, لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم , إنه من تتبع عورة أخيه المسلم , تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف رحله" أي في مسكنه , الجزاء من جنس العمل , ثم يقول:" ومن دخل مداخل السوء ..اتهم" ينبغي أن تبتعد عن مواضع الشبهات لتستبرئ لدينك وعرضك , لا ينبغي أن تدور حول الحمى, ابتعد بقدر ما يوفقك الله لتستبرئ لدينك وعرضك , فمن داخل مداخل السوء ..اتهم , ثم يقول: " يا بني وقل الحق لك أو عليك ",نحن نقول الحق لنا, عندما يكون الحق لنا نقول , لكن عندما يكون الحق علينا, ماذا نفعل ؟ نكذب ونحشد الأدلة الزائفة , لكن جعفر الصادق يقول: " وقل الحق لك أو عليك " والقرآن يقول والوصية وصية قرآنية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} , وهذا ما أركّز عليه دائما إن الله تعالى الذي قال أقيموا الصلاة هو الذي قال أقيموا الشهادة بالقسط , لكن نحن قد نصلي ولكننا لا نقيم الشهادة بالقسط , وكأن الذي قال هذا لم يقل , {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} وبعد ذلك يقول :" يابني إياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال " كان -صلوات الله وسلامه عليه -يقول لمن حوله : ألا لا يبلغني أحدكم قالة السوء عن أصحابي , فإني أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر" هناك من يقوم بدور الشيطان , بدور إبليس ينقل كلام هذا الى كلام هذا , يملأ قلوب الناس بالشحناء ,والله تعالى يقول {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ , هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ , مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} , والنبي -صلى الله عليه وسلم –يقول:" لا يدخل الجنة قتات " القتات هو النمام , والنمام هو الذي يسمع ما يسيء من فلان ثم ينقله الى فلان , الغريب في الأمر أن هناك نوعا من الورع البارد أو التقوى الباردة , يأتيك أحد النمامين , فيقول : والله فلان يقول عنك كذا وكذا هو لا يقول فلان باسمه , يعطيك الإشارة أنه يقال عنك كذا وكذا, فإن قلت له -لتحقق في الأمر- من الذي قال؟ هنا يظهر التقوى والورع و التدين , لا, لا, ليس هناك داع , إلى آخر ما يحدث , هذا نوع من الورع البارد والفسق المغلف بالطاعة , أنت نقلت أسوء شيء ممكن لأخيك وصديقك , وملأت قلبه شحناء , والآن مستك حم التقوى , لماذا نقلت الحديث من البداية؟ كان أحد الصالحين إذا نقل له أحد الناس كلاما, يقول له:" أتحب أن أجمعك به" لمن نقلت عنه أو يقول له من هذا الذي قال؟ فإن قال له فلان , قال :" أتحب أن أجمعك به" وإن أبى يقول :" أنا لم أسمع شيئا , الكلام تحت قدمي ودبر أذني ", فإذا قال له : فلان , قال : أتحب أن أجمعك به , فإن رضي جمعه ,وحقق في المسالة -وهذا منهج ديني وإسلامي - وإن أبى قال له :إذا لا تعد هذا الكلام عند أحد غيري . من أسوء العادات المنتشرة النميمة , و أسوء من النميمة هذا الموقف الديني الكاذب , يأتي ليبلغك , يقولون كذا وكذا , فإن قلت له :من هؤلاء؟ يقول لا داعي لذكر الأسماء !!! ولا داعي للكذب والفتنة وإساءة الظن وزرع الشحناء في قلوب الناس , وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال , ثم قال :" ومن خالط السفهاء.. حقر " البيئة الاجتماعية "ومن خالط العلماء ..وقر" {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} , المرء على دين خليله , البيئة الاجتماعية التي تتحرك فيها , من خالط السفهاء ..حقر , وهذه نتيجة طبيعية ومنطقية , ومن خالط العلماء ..وقر , ومن احتفر بئرا لأخيه.. سقط فيها , يقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم }, ويقول أيضا {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ}, ويقول تعالى {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} لا تتورط في مؤامرة ضد مسلم , لأن المنتقم الجبار محيط بك , إياك أن تتشاطر لتؤذي بعض الغافلين , {يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ }ومن احتفر بئرا لأخيه ..سقط فيها , ثم يقول :" ومن سل سيف البغي.. قتل به" على الباغي تدور الدوائر , والبادي اظلم , وكما ذكرنا آية سورة يونس (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم ) نتيجتكم مردودة عليكم ويقول -صلى الله عليه وسلم- :" ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا , مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة , من البغي وقطيعة الرحم " ممن قام بالسيف مات بالسيف , من قام بالظلم سلط الله عليه من هو اظلم منه , هذه وصية جعفر الصادق , وهذا شرحنا الموجز لها, وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
العالم اليوم أحوج ما يكون الى الاسلام , مهما كانت لديه من وسائل رقي وتقدم, ومهما انتشرت في أرجاءه مؤسسات لحقوق الإنسان والعدالة , ومهما رفع كثير من الناس صوته احتجاجا على انتهاك الحريات .. إلى آخره , لكنه عالم قاس وظالم , ولا مخرج من هذا الظلم وهذه القسوة في العالم كله , إلا بالرجوع إلى هذا النظام الإلهي الرباني , وكما أنقذ الإسلام البشرية من الضلالة والجاهلية أول مرة , إنه قادر -بعون الله وتوفيقه - يوم يحسن أهله فهمه , ويحسنون تطبيقه , ويحسنون عرضه , ويفهمون مقاصده وأهدافه ووسائله وأساليبه , إن الإسلام جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور, البشرية رغم كل ما وصلت إليه من تقدم ورفاه , هي أحوج ما تكون في أيامنا هذه إلى هذا الاسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة , العالم محتاج إلى عقيدة الاسلام , ومحتاج إلى شريعة الإسلام , ومحتاج إلى أخلاق الإسلام , والى أنظمة الإسلام ,و كما أؤكد دائما, ربما صد العالم عن ذلك بعض تجارب منتشرة في بقاع متعددة على وجه الأرض , لكن ليس هناك أحد يمثل حجة على الإسلام , الإسلام حجة على الناس جميعا, من أكثر مظاهر قسوة العالم وظلمه وحاجته فعلا إلى العدالة , وأن يضبط سلوكه , وأن يضبطه إيقاعه على هدي الإسلام " نحن الفلسطينيين" هذه المعاناة التي يعانيها هذا الشعب المنكوب , العالم كله تواطأ مع هذه الدولة التي تحتل أرضنا , على هذا الشعب المغلوب على أمره, ستين عاما وقد حرم من حقوقه الإنسانية , وقد أوذي وحوصر وما زال يؤذى ويحاصر في كل مكان, والذين يكتب لهم السفر بين الفينة والفينة , يتحدثون بما تشيب له النواصي, لماذا يتواطأ هذا العالم المتحضر , وهذا العالم المتقدم مع هذه الدولة, ضد هذا الشعب المظلوم والمنكوب والمشرد من وطنه وأرضه لأكثر من ستين عاما؟! لماذا؟! انظروا إلى الدماء التي تغطي وجه الأرض, هل هناك دماء غير عربية وغير إسلامية؟! إن الدماء التي تسيل على وجه الأرض اليوم , هي دماء عربية وإسلامية , من الذي يتواطأ على ظلمها وعلى قهرها ؟ هذا العالم.. الذي يدعي أنه متقدم , وأنه متحضر ويرعى الحريات وأنه يرعى حقوق الإنسان , لكن ما بالي ألوم هذا العالم؟ واللوم الأكبر يقع علينا نحن , على أبناء المجتمع الإسلامي , على المنتسبين للإسلام , ما حظ الإسلام في حياتهم ؟ما حظ الإسلام في حياتك أنت ؟هل تعيش للإسلام حقا ؟هل أنت تعيش معنى الإسلام ؟ إن الإسلام جاء فوحدنا بعد فرقة , هل تمسكنا بمعالم الوحدة في الإسلام؟ جاء الإسلام فأقام العلاقات فيما بيننا على أساس الأخوة , هل الأخوة قائمة كما هي بيننا؟ جاء الإسلام فمنحنا القوة والعزة , فلماذا فرطنا في أسباب القوة والعزة ,وأسباب الوحدة والمحبة ؟ إننا قبل أن نحلم بأن يعود العالم إلى الإسلام , وهذه الأمنية الكبرى, قبل أن نحلم بذلك , علينا أن نبدأ خطوات جادة وصادقة نحن المسلمين , نحن العرب , نحن الفلسطينيين, باتجاه هذا الدين وباتجاه هذا الإسلام.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.