بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد: أيها الإخوة :
أيها الإخوة : تلاحظون أنه فيما تتوالى تصريحات زعماء اليهود , حول التأكيد على يهودية الدولة , وعلى أن القدس عاصمة أبدية لدولتهم , لا ترون في الجهة المقابلة , أو لا تسمعون إلا همسا, همسا تكاد تختفي فيه كلمة الإسلام , لأن الدوائر الخبيثة في العالم , ربطت بين الإسلام والإرهاب , ولأن بعض التطبيقات الغبية والحمقاء , أو لأن بعض الفهوم المنحرفة للدين مكنت هذه الدوائر من إلصاق هذه التهمة بالإسلام , حتى شعار تطبيق الشريعة أصبح كأنه تهمة ,الكل يحاول أن يتبرأ منه أو يتنصل منه , وكأنه يقول منكرا من القول وزورا عندما يطالب بتطبيق أحكام الله , لأن القوى الكبرى تشمئز من هذا الشعار, ونحن في مرحلة ضعفنا نسعى لإرضاء هذه القوى , اضمحلت شخصيتنا المستقلة, والجميع ينتظر كرم الآخرين في أن يمنحوهم الحلم الموعود , الدولة المنتظرة على ما يسمى بحدود ال67 , وتقاربت البرامج والمناهج , وأصبح الجميع ينتظر هذه الدولة الموعودة , مع أن هذه الأراضي كانت معنا قبل الاحتلال الأخير , وبقيت مع العرب والمسلمين عشرين عاما , لم يفكر أحد في إقامة دولة فيها , والآن يلوح لهم بإمكانية أن تقوم دولة على هذه الأراضي , وحق لنا أن نقول هذه بضاعتنا ردت إلينا, لكن الغفلة ربما تسيطر على كثير من القادة في العالم العربي والإسلامي , لأنهم لا يقرؤون القرآن أو لا يديرون الصراع مع هذا العدو من خلال الرؤية القرآنية , إن الله تعالى يقول عن اليهود {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً } , ولم يتنازل اليهود والعرب بهذا الضعف , وبهذا المستوى من الانحلال ؟ إن ما لا تستطيع أن تأخذه في ساحة الصراع الحقيقي , لن تستطيع أخذه على ما يسمى بموائد الحوار أو المفاوضات أو ما شابه ذلك .
وأنا أتكلم في إن جاز التعبير في قوانين وسنن بمعزل عن الواقع السياسي الذي يجري الآن , أيها الإخوة المؤمنون: الواقع أن شعوبنا المسلمة شعوب طيبة ومحبة للإسلام , وتحلم باللحظة التي تحكم فيها بدين الله وشرع الله , لأنها تعرف أن دين الله وأن شرع الله هو العدالة والحرية والكرامة, فهي تحّن للحظة التي تحكم فيها بدين الله, كما أنها تحن إلى الوحدة مع بعضها البعض , فليس هناك مشكلة بين المسلمين, إنهم يلتقون في مواسم الحج والعمرة, من كل بقاع الأرض , ولا يحسون أن هناك مشكلات فيما بينهم , لكن المشكلات صنعتها الأهواء, وصنعتها الأحقاد, وصنعتها التعصبات , وصنعتها البرامج التي تنفذ وتطبق ما يرسم لها في دوائر مختلفة هنا وهناك , العالم يتقارب ويتوحد, لكن العالم الإسلامي يحرم عليه الوحدة , أوروبا تتوحد , لا بأس!! لكن العرب أبناء الدين الواحد واللغة والواحدة والتاريخ الواحد, ممنوع أن يتوحدوا !! ويستجيب لذلك , الأصنام المنصبون على العرب والمسلمين , ما أريد أن يعرفه أبناء المسلمين في هذه المرحلة الحرجة من تاريخهم هو أن ما أحرزته الأمة في تاريخها الطويل وفي واقعها الحاضر من انتصارات ما من انتصار أحرزته الأمة في تاريخها الماضي أو في المعاصر , إلا وكان هذا الانتصار تحت راية الإسلام , واسألوا التاريخ واقرؤوه , إلا وكان هذا الانتصار في ظل قيادات إسلامية مؤمنة , ذكرت ربها ونسيت نفسها , أحبت شعوبها وأحبت قضيتها , وما من مرة وقعنا في هزائم كبرى إلا في ظل غياب هذا المعنى , في ظل اضمحلال الروح الإسلامية , وغياب القيادات الإسلامية التي تذوب في الإسلام وتخلص له , وعلى مدار التاريخ , كان الانقسام والتفرق علتنا الأبدية , وكما قلت , وأنا أتمنى أن يدرس أبنائنا وأن يدرس مثقفونا تاريخنا, ليروا كيف انتصرنا؟ وكيف هزمنا ؟ كان الانقسام هو العلة الأبدية إلى يومنا هذا , ولو أن المسلمين استجابوا لنداء ربهم , فوحدوا صفوفهم , واختاروا قياداتهم اختيارا حرا , القيادات التي تحمي وتصون وتتقدم بالأمة , لما قوي على مواجهة هذه الأمة إنس ولا جان , لكننا استسلمنا وضعفنا, و وقعنا في هزائم كثيرة سياسية وعسكرية وثقافية , أقول هذا الكلام كله بين يدي حديثي عن مقتطفات من سيرة قيادة نادرة , وبطولة فارعة, إنه نور الدين محمود - رحمه الله ورضي الله عنه - لقد قال فيه المؤرخ الشهير - ابن الأثير- : " لقد طالعت سير الملوك المتقدمين, فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر ابن عبد العزيز أحسن سيرة منه , ولا أكثر تحريا للعدل منه" , ونحن في زمن القحط في القيادات المحترمة بالتعبير الدارج , نحتاج إلى أن نقف عند سير هؤلاء العظماء , وتمنيت من قلبي لو قررت هذه السير في مناهج الدراسة , عمر ابن عبد العزيز- صاحب الانقلاب الكبير والتغيير الضخم - الذي أحدثه في سياق الدولة الأموية , وسيرة نور الدين محمود الذي جاء في ظروف غاية في التعقيد , ما الظروف التي جاء فيها وظهر فيها نور الدين محمود ؟ إنها تختلف عن الظروف التي جاء فيها عمر ابن الخطاب -رضوان الله عليه- إن عمر جاء في لحظة إقبال من الزمان وقوة و فتوة في الدين , لكن عندما جاء بعده بستة قرون نور الدين محمود , وكان على أثره جاء في لحظة إدبار من الزمان, وضعف من الدين , وتفرق من المسلمين , واحتلال قائم, - كما تعرفون- جاء نور الدين محمود في منتصف القرن السادس الهجري , وكان قد مر على الاحتلال الصليبي لبلاد الشام بما فيها القدس خمسون عاما , احتلال , ومملكة لاتينية في بيت المقدس , والشام التي كانت ولاية من ولايات الدولة الإسلامية , أصبحت مقسمة إلى دول وحكومات , حلب وأصبح ملكا عليها بعد أبيه, حلب دولة , ودمشق دولة, وكل قرية وبلد في الشام كانت حكومة ودولة , وكما قال أحدهم : فتفرقوا شيعا فكل قبيلة فيها أمير المؤمنين ومنبر , ضعف وتفرق واحتلال , ولذلك وضع نصب عينية هدفين اثنين , الهدف الأول : توحيد المسلمين , توحيد الجبهة الإسلامية , و هذه هي النقطة المهمة لقانون انتصاراتنا على مدى التاريخ , توحيد المسلمين , والهدف الثاني : دحر الاحتلال , ولقد استطاع أن يحقق من هدفيه مراحل متقدمة جدا, فلما مات , كانت الشام ومصر وأعلى العراق دولة واحدة , و ربما جزء من اليمن أيضا , لاحظ يا أخي التاريخ , التاريخ أحيانا يعيد نفسه , بفارق أن هناك قادة يوحدون , و أن هناك قادة يفرقون ويمزقون, عجزة , مستسلمون لمخططات أعدائهم , مستسلمون لأهوائهم وشهواتهم وعصبياتهم وأحقادهم, فوحد مصر والشام والعراق , وخاض حروبا ومعارك ضارية مع الصليبيين في الأسبوع الأول من ولايته , عندما تجرأ الصليبيون وأرادوا أن يستغلوا وفاة أبيه , فتوجهوا نحو دمشق , فردهم على أعقابهم , وحرر إمارة الرها التي تجرأ أيضا الصليبيون واحتلوها من بلاد الشام , بل كسرهم في معارك كثيرة , وأسر ملوكهم ,لأن أوروبا عندما جاءت , جاءت بقضها وقضيضها , جاءت بالملايين , كان عدد جيوش الصليبيين كعدد الرمل , وهم يتوجهون إلى هذه المنطقة المنكوبة بفرقتها وضعفها وحكامها, كانت الخلافة الفاطمية في القاهرة , وكانت الخلافة العباسية في العراق , لكن تلك الخلافتين كانتا شبحا بلا روح , جاء الصليبيون من أعماق أوروبا , لم تتحرك عاصمة عربية ولا إسلامية , الثقافة الإسلامية مضمحلة , كما قلت ضعف ديني وضعف ثقافي , لذلك إذا تذكرت في هذه المرحلة , وضع الإمام الكبير أبو حامد الغزالي , كتابه المهم "إحياء علوم الدين " لقد عاش الغزالي عشر سنين , في مرحلة الاحتلال , و وضع كتابه إحياء علوم الدين , ليقول للناس هذه هي النقطة الأولى أيضا , في طريق استعادة أرضنا وكرامتنا وقوتنا وديننا , الثقافة لابد أن تنتعش مرة أخرى , فوضع مشروعه الضخم إحياء علوم الدين , على المستوى السياسي كما قلت الخلافة في بغداد تلفظ أنفاسها , والخلافة في القاهرة , الدولة السلجوقية القوية أيضا انتهت , ظروف صعبة جدا, ومعقدة جدا واجهها هذا الرجل العظيم , لكنه كما قلت وضع هذين الهدفين , اللذين ما زلنا في حاجة لهما , توحيد المسلمين , ودحر الاحتلال , واستطاع فعلا أن يوحد المسلمين بما استطاع آنذاك , واستطاع أن يواجه الصليبيين, وأن يأسر ملوكهم , وبهذا مهد الطريق لصلاح الدين , و وضع له الأسس , و رسم له المنهج , ومن الطرائف : أنه أسر ملكا أوروبيا من ملوك الفرنجة , وأراد من حوله أن يقتلوه لكنه رفض ذلك , بالمناسبة : كان نور الدين يكره إراقة الدماء , كما كان يكره الظلم , فقال لهم: لا لن نقتله, لكننا سنقبل منه الفدية , و أخذ مبلغا طائلا,- وعلى كل حال قد مات الملك بعد شهر تقريبا - فأخذ الفدية , ماذا فعل بالفدية نور الدين محمود ؟ ماذا فعل بها ؟ بنى بها أكبر مستشفى في العالم آنذاك , وخصصه للفقراء فقط , من لنا بقيادة في هذا المستوى تنحاز إلى الفقراء , وتخدم الفقراء , لا تخدم نفسها وذويها ومن أحاط بها, خصص هذا المستشفى- وهو أكبر مستشفى في العالم آنذاك - للفقراء , ولم يسمح للأغنياء بدخوله , إلا إذا لم يوجد لهم علاج إلا في هذا المستشفى , وأقام انجازات ضخمة داخلية , خذ مثلا ما أول شيء عمله نور الدين في مملكته , إنه دار العدل, ولم يكن لها أيضا مثيل , لم يبني سجنا في حياته , وإنما أول شيء بناه دار العدل , كان يكره الظلم والظالمين , أيا كان المظلوم كان ينحاز له, وأيا كان الظالم كان يكرهه, كان يجلس في هذه الدار مع القضاة والفقهاء في الأسبوع مرتين, بل مثل مع أحد خصومه أمام قاضي هذه المحكمة , كان يستطيع المواطن العادي أن يدّعي على نور الدين محمود , وأن يقف معه على قدم المساواة في هذه المحكمة , هذا كلام لا أؤلفه أنا , هذا الكلام موجود في كتب التاريخ ,وفي سيرة هذا الملك العادل , وأنا أريد من أبناء أمتي أريد من المثقفين أن يطلعوا على هذه التجارب , وعلى هذا التاريخ , أيضا الآخرون الذين يربطون ديننا بالإرهاب , أننا نملك رؤية جميلة للعالم, وأننا نملك دينا يقبل حقوق الناس , ويقف بجوارهم , فأقام دار العدل , وكما قلت كان يجلس فيها مرتين في الأسبوع , أرسل إليه أحد الزهاد الشيوخ , يقال له -عمر الملا- كتابا يقول له: إن هناك مفسدين كثيرين , ولا نستطيع إقامة الحجة عليهم , قد نقبض على مفسد في برية, فكيف نأتي بالشهود , وهؤلاء لابد من إيقاع العقوبات عليهم , ضرب وصلب وقتل , فردّ عليه نور الدين محمود , وهل أنت أغير من الله؟ لو كان في هذا مصلحة لأنزل الله هذا في كتابه , خذ الناس بالبينة , وحاكمهم بما في كتاب الله, ولا تزد على ذلك , فان هذه جرأة مرفوضة, يرفضها الشرع , فاستحى الفقيه الزاهد , وأخذ يقرأ الكتاب على الناس وهو يضحك , فيقول : انظروا , ماذا يردّ الملك على الزاهد ؟ الملك مع الالتزام بما جاء به الله , والزاهد يريد أن يجتهد وأن يقدم بين يدي الله ورسوله , عندما أحست زوجته بضائقة و اشتكت الحاجة و الفاقة , قال لها : أنا لي ثلاثة دكاكين في حمص , خذي إرادها فاستقلتها, قالت: و الله هذه قليلة , فقال لها : والله لا أملك غيرها ولا أخوض جهنم من أجلك , عندما أراد أن يعرف مرتبه , كم سيأخذ راتبا ؟ استدعى الفقهاء والمفتين , وسألهم ماذا يحل له من بيت مال المسلمين , فالتزم بما أفتاه الله به الفقهاء , ولم يزد عليه ولو ومات جوعا, وكان يقول إنما أنا خازن على أموال المسلمين , أنا حار س فقط , نشر الأمن في ربوع البلاد, لكن لاحظ , إنه الأمن المبني على العدل , وليس المبني على السيف والقوة , إنه مبني على العدل, هناك فرق بين أمن تحس به نتيجة خوف معين, خوف العقوبة , خوف الانتقام , لكن الأمن التي تصبو إليه الشعوب الحرة , هو الذي حققه نور الدين محمود , الأمن المنبثق عن العدل , وليس الأمن المنبثق عن الخوف , بنى المشافي والمدارس , وبالمناسبة كان الرجل مثقف , كان فقيها حنفيا , ألف كتابا في الفقه , وكان راويا للحديث , وكان عابدا , حتى أن بعض الناس , قال فيه: جمع الشجاعة والخشوع لربه ما أحسن الشجعان في المحراب , كان فقيها, و كان راويا للحديث , وكان مؤلفا, وكان عابدا تقيا, كان يسجد ويطيل السجود , ويقول اللهم انصر دينك , لا تنصر محمود -يعني نفسه - اللهم انصر دينك , لا تنصر محمود , من محمود هذا حتى تنصره ؟ لاحظ أيضا , أنه لم يكن يخلط بين نفسه وبين الدين , بعض الناس يخلط بين نفسه وبين الدين , إن ناقشته كأنك تناقش الدين , فإن اعترضت عليه كأنك تعترض على الدين , و كان يفرق بين نفسه وبين الدين , ولذلك في إحدى المعارك تقدم إليه أحد الفقهاء , وقال له يا نور الدين لا تخاطر بنفسك, فانك إن أصبت هلك المسلمون بعدك و لم تقم لنا قائمة , قال له اسكت , هذا سوء أدب مع الله , من محمود هذا؟ من كان يحمي الإسلام قبلي ؟ ومن يحمي الإسلام بعدي ؟ هذه مقتطفات وجيزة جدا من سيرة هذه القيادة الفارعة والنادرة , و التي ندعو الله , ادعوا الله انتم أيضا في أخريات رمضان , في ذروة تألق الروح في أواخر رمضان , أن يهيئ الله لهذه الأمة المنكوبة والوطن المنكوب قيادات مؤيدة بالله تعالى وبشعوبها ,أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم .
الخطبة الثانية:
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
النظرية الصهيونية قائمة من وجهة نظري على إبقاء الإسلام بعيدا عن القيادة والتوجيه , حتى يظل المسلمون مفرغين , لا يعرفون لهم هدفا ولا غاية, والأمر الثاني أن يبقى الانقسام و الاختلاف و التفرق فيما بينهم, العودة إلى الإسلام ممنوعة , والوحدة فيما بينهم ممنوعة , وبعد ذلك فليفعلوا ما يشاءون, في مواجهة هذه النظرية الصهيونية, لابد أن تكون هناك نظرية أخرى للإسلام , وهي تقوم على أساس عودة الإسلام الحكمي و التوجيهي والإرشاد , على أساس توحيد المسلمين , وكما رأينا في سيرة نور الدين محمود , أن الطريق إلى القدس , إنما هو قائم على وحدة المسلمين , وعلى جهاد الأعداء , أما الشعارات والهتافات , فهي لا تغني فتيلا عن الناس في مرحلة الصراع المرير , ونحن العرب استمرئنا الشعارات , واستمرئنا الهتافات , والأمم أيها الإخوة الأحباب لا تبنى بالشعارات , ولا تبنى بهتافات, وإنما تبنى ببرامج وخطط وأفكار وثقافات , وأنا أرى أن أبناء هذه البلد منذ سنين , وأنا أرقب الحركة السياسية , والحركة الدينية , أحس أن هناك خللا كبيرا في الدائرتين , أحس أن هناك تعصبا , وأن هناك جهلا , وأن هناك ولع بالهتافات ,و المباهاة والمراءاة , ما أحزنني , واليوم هو اليوم العالمي للقدس , أن هذا البلد الصغير , أو هذا الجزء من هذا البلد الصغير- الشمال- ستخرج فيه مسيرتان بمناسبة يوم القدس , لماذا ؟القدس لمن فيكما؟ لماذا لم تتوحدا ؟ لماذا لم تخرج مسيرة واحدة ليخرج الناس جميعا ورائها وحدة واحدة؟ ليقول الناس أن القدس لنا , وإن لم نأخذها اليوم , سنأخذها غدا , وأن ما يفعله اليهود في القدس إلى زوال , هذا يقين وإيمان بالله وتوكل عليه , لقد بقيت مملكة اللاتين في بيت المقدس قرن من الزمان , فماذا تحتل هذه المملكة الآن من التاريخ؟ لا تحتل خبرا ضئيلا في زوايا التاريخ , مر الصليبيون من هنا. وسيأتي اليوم الذي يكتب فيه المؤرخون , أن اليهود أيضا مرّوا من هنا , عندما تعود الأمة إلى شروط نهضتها , و إلى أسباب انتصارها , لماذا نخرج في مسيرتين في مناسبة عظيمة , تتعلق بجوهر قضيتنا وقضية الإسلام, بل قضية العالم كله؟ .
المسالة الأخرى أيها الإخوة الأعزاء: أن هذه الجمعة الأخيرة في شهر رمضان , وقد يكون غدا آخر يوم في رمضان , وأنا أذكر فقط أن رمضان اختصه الله بأمرين اختصه بالصيام والقران , وأن الصيام منهج في تغيير النفس , ومنهج في ترويض الشهوات , وتهذيب الغرائز , أتمنى أن نكون قد حققنا أهداف الصيام , وأن القرآن هو الذي يملكنا الرؤية الصحيحة للعالم , والإنسان , والحياة , أتمنى أن نكون قد اقتربنا من القرآن, وأنا أقول أتمنى هنا و و أتمنى هنا -مع علمي المسبق بما يؤسف - وهو أن كثيرا من المسلمين ينظرون إلى شهر رمضان , كما لو كان شهر ملل , ولذلك تزاد فيه فقرات الترفيه والتمثيل , فتشغل الناس آناء الليل وأطراف النهار , لكنني حسن الظن بأبناء ديني وبديني وبأمتي , وأعرف أن الأمة كفاها ما أصابها , مهما نكن في خطر في هذه الأيام أيها الإخوة , فلا ينبغي أن يزايلنا لنا الأمل في وجه الله, والأمل في أن نعود مرة أخرى إلى سيرتنا العظيمة , وحدة وجهادا وقوة ونظاما ونظافة وشجاعة , هذا الإسلام يا حضرات , ليس شعرا في الوجه فقط , وليس جلبابا فضفاضا , وليس صيغا لفظية , هذا الإسلام منهج لتغيير العقل والقلب والأداء والسلوك .
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.