بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
على حركات الإصلاح الإسلامية أن تعنى بالحكام والشعوب , وبالقيادة والقاعدة, في دعوتها وفي تذكيرها بضرورة العودة الى الإسلام , وحسن تطبيقه والتشبث به , كطريق وحيد للخلاص مما نحن فيه , لكن عليها أن تولي أمر القيادة أهمية أكبر, لأنني فيما أرى: أن مأساة المسلمين في أيامهم هذه في قياداتهم , وأن الشعوب الإسلامية ما زالت تحب الإسلام , وتحّن إلى العيش في ظلاله , والى تطبيق شريعته, وحدوده وفرائضه , وما زالت تحّن أيضا إلى الانجازات والانتصارات , وهذه مسألة منوطة أولا وبالذات , بالقيادات المخلصة , والقيادات المضحية , والقيادات المتفانية , وعندما تنظر الى التجارب القريبة منا والبعيدة عنا , تجد أن الشعوب التي انتصرت وأنجزت سياسيا واقتصاديا وعلميا وعسكريا , رزقت بقيادات متفانية ومخلصة , تؤثر مصلحة جماهيرها على مصلحتها الخاصة , ونحن كبقية شعوب العالم , نحّن إلى قيادات تأخذ بنواصينا إلى الخير وتدفعنا الى الانتصارات , وإلى استعادة حقوقنا , وأجد نفسي مضطرا لأن أقول : إن كثيرا من الناس أخذ يتوجس خيفة من الحكم الإسلامي , لأن كثيرا من التجارب التي وصلت الى الحكم باسم الإسلام , لم تنجح في تقديم صورة جذابة لهذا الدين , لم تنجح في تطبيقه بالشكل الذي كان يحلم به هؤلاء المسلمون الفقراء والمظلومون و المقهورون , إنهم يحلمون بقيادة إسلامية تطعم الجائع , وتؤمّن الخائف , وتوحّد الصف , وتبسط رواق العدل على الجميع , وتحقن الدماء, وتحفظ الحدود , هذه هي الصورة التي تسكن كل عقل مسلم , وهو يحلم بحكم الإسلام , وأنا لا أوافق هؤلاء المتوجسين خوفا من الحكم الإسلامي, لماذا لا أوافقهم؟ لأنه ينبغي أن يفرقوا بين الإسلام كدين واجب الإتباع , كدين لابد أن نجاهد من أجل توطيد أركانه , ومن أجل رفع رايته , وبين التطبيقات التي نراها في أماكن متعددة , وليست معجبة , بمعنى أنها تصد الناس عن الدين أكثر مم تقربهم من الدين . القيادة في حياة الشعوب مهمة جدا , لأن هذه القيادة إما أن تورد الشعب المهالك , وتدفعه دفعا إلى مهاوي الردى بحماقتها أو تهورها أو غرورها , وإما أن تأخذ بناصيته إلى الخير , فتحقق أهدافه وكما قلت تبسط رواق العدل فيما بين المسلمين , وتوصل الحقوق إلى أهلها ومستحقيها.
أعجبني كثيرا ذلك الشاعر العربي الذي يحرض قومه على اختيار قيادة جديرة بالالتفاف حولها , لمواجهة التهديد الفارسي آنذاك , هذا الشاعر يقول لقومه :
فقلدوا أمركم لله ذركم رحب الذراع بأمر الحرب مطلعا
لا مترفا إذ رخاء العيش ساعده ولا إذا حل مكروه به خشعا
لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه هم يكاد حشاه يقطع الضلعا
مسهد النوم تعنيه ثغوركم يروم منها الى الأعداء مطلعا
ما انفك يحلب هذا الدهر اسطره يكون متبعا طورا ومتبعا
لا يشغله مال يثمره عنكم ولا ولد يبغي له الرفعا
هذه مواصفات القيادة , الخبرة بأحوال الحرب وأحوال السلام , الثقافة العامة , التجربة العميقة , السهر على مصالح الناس , على مصالح البلاد والعباد , نكران الذات , لا يشغله مال يثمره عنكم ولا ولد يبغي له الرفعا , ولذلك لما تحدث القرآن الكريم عن قادة الخير وعن أئمة الخير قال جل جلاله {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ } , إنهم دعاة خير ,إنهم حملة هدى , تقوم العلاقة بينهم وبين شعوبهم على المحبة المتبادلة , فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول : " خير أمرائكم من تحبونهم ويحبونكم, وشرار أمرائكم من تلعنونهم ويلعنونكم " , إن القيادة عليها مهمة , الحفاظ على دين الناس , حراسة دينهم ودنياهم {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } , و لك أن تلاحظ ملامح القيادة الإسلامية في قوله تعالى وهو يخاطب النبي المصطفى -عليه الصلاة والسلام -{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} , هذه ملامح القيادة المرجوة المرتقبة , التي ترتقبها الشعوب الإسلامية المطحونة , في ظل قيادات ظالمة , باغية عابثة لاهية , ولقد عرض القرآن لنماذج من هذه القيادات الصالحة , التي قادت شعوبها الى تحقيق أهدافها , إما نصرا في المعركة ضد العدو الخارجي , وإما استقرارا في مرحلة السلام و وحدة صف , لأن القيادة الباغية الطاغية القيادة الشريرة هي التي تمزق شمل أمتها {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ } , إنما القيادة الصالحة هي التي تحقن الدم, وتصلح ذات البين , انظر إلى تجربة بني إسرائيل عندما طلبوا قائدا من نبي لهم , يقاتلون خلفه, إن الله بعث لهم طالوت ملكا, فاضطرب اليهود و اعترض الاسرائيلون على ذلك لان مقاييسهم كانت مقاييس جاهلية ومادية {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } , إشارة إلى ضرورة القوة المادية والقوة المعنوية ,العلم شرط من شروط القيادة ,الجاهل لا يكون قائدا والظالم كذلك {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } , فلا الظالم ولا الجاهل يستحق أن يكون قائدا , { قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ } الجسم إشارة إلى القوة المادية , والعلم إشارة إلى القوة العقلية والمعنوية , لأن القوة لا قيمة لها إن لم يحطها عقل وعلم , يحدد أهدافها ويحدد مسارها, وفي النهاية استطاع هذا القائد أن يقود أمته إلى الانتصار, إن الله يقول فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ } وكان داوود من جنود طالوت, إن نموذجا آخر أيضا يأخذ بالألباب حقيقة في القيادة والحكم وربما عرضت له أكثر من مرة إنه نموذج ملكة سبأ تلك المرأة الحكيمة التي أسست حكمها على ثلاث قواعد, القاعدة الأولى: على الشفافية والوضوح والإقرار بأن من حق أن يطلع على الحقيقة كاملة , لا ينبغي أن يكتم عن الناس شيء , في الإسلام أيها الاخوة: من الذي يراقب الأخر الحكومة تراقب الشعب أم الشعب يراقب الحكومة ؟ في الإسلام الشعب يراقب الحكومة لأن احتمال الفساد في الحكومة أكثر من احتمال الفساد عند الناس , لماذا لأن الحكومة تملك المال, تملك الجاه, تملك السلطة ,تملك الثروة , فاحتمالات الفساد عند الحاكم والمغريات في الانحراف والفساد أكثر مما هي عند الفقراء المظلومين , ولذلك في التجربة الإسلامية الراشدة , كان الشعب هو الذي يراقب الحكومة وليس العكس , الحكومة تنفذ حدود الله , إنها سلطة تنفيذية تقيم كتاب الله , تنفذ ما أمر الله به , لكن الشعب هو الذي يفتح عينيه على تصرفات الحكومة , ويناقشها الحساب , إن المسلمين يوما ما استكثروا على عمر ابن الخطاب أن يلبس ثوبا زائد عن ثيابهم , ولم يرضوا إلا أن يقدم لهم تبريرا لذلك , وفعل الخليفة الراشد, إذا القواعد الثلاثة التي أقامت هذه المرأة الحكيمة والعاقلة حكمها عليها , القاعدة الأولى: الوضوح والشفافية , لا تخفي شيء عن الشعب , الشعب يطلع على الحقيقة كاملة, كيف عرفنا ذلك ؟ من قوله تعالى على لسانها عندما ألقي إليها كتاب سليمان {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ , إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } , إذا لم تضع الكتاب في الدرج وتبقي هذه المحادثات بشكل خاص بينها وبين سليمان, إنما عرضت هذا الكتاب على الأمة , هذه القاعدة الأولى . القاعدة الثانية: الشورى, ليست مستبدة برأيها {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ } , فهي تقيم حكمها على الشورى , وعلى سماع رأي الجماهير , لا على القمع ولا على التخويف . القاعدة الثالثة : الخبرة والثقافة والتجربة العميقة التي ظهرت عندما قال لها العسكر من قومها {قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ } , نحن جاهزون أن نفعل ما تريدين , لكنها ماذا قالت المرأة الحكيمة؟ {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } , نحن أمام ملك وأنا لدي خبرة من ثقافتي وتجربتي بأنظمة الحكم وتجارب الحكم , أعرف ماذا يفعل الملوك ؟ لكني سألجأ إلى طريقة أخرى {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } , واستطاعت هذه المرأة أن تنجي شعبها من مأساة , من حرب طاحنة , لان سليمان هددهم , وقال أنه سوف يأتيهم بجنود لا قبل لهم بها , وقرأت المرأة الرسالة قراءة عاقلة , لكنها لم تضحي في سبيل مجدها بشعبها , وإنما أنقذتهم من مذبحة محققة , ثم قادتهم وأخذت بنواصيهم إلى الخير, إلى الإسلام {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } , و أعلنت إسلامها , أنقذت شعبها من المحرقة والهلاك, و قادته إلى الخير و الهداية, وتجارب الحكم الإسلامي :الخلافة الراشدة , أيها الأعزاء الخلافة الراشدة اسم مقصور على تلك الفترة , لأنه لم تأت مرحلة حكم فيها المسلمون كما حكموا في عصر الخلفاء الراشدين, ومن بعدهم تبع لهم, إما على طريقهم وإما ينحرف عن هذه الطريق , الخلفاء الراشدون: عمر ابن عبد العزيز , نور الدين محمود , الخلفاء الراشدون ربما بنا لا يعرف إلا هذا الاسم فقط, لكن لا يعرف هذ الحقبة وما جرى فيها من تطبيقات, وما جرى فيها من جهاد , وما جرى فيها من دعوة , وما جرى فيها من ترسيخ لأحكام الإسلام , ليقتدي بها من يجيء بعدهم , عثمان بن عفان هذا الخليفة الراشد الإنسان النبيل , هذا الإنسان المحترم , عندما أحاط الثوار بقصره ويريدون قتله , حاول أن يحرضه بعض من كان حوله على قتالهم , هؤلاء جاؤوا من مصر ليسقطوا نظام الحكم , ليقتلوا الحاكم , لم يعترضهم أحد, كان الناس في جو من الحرية لا مثيل له , فقالوا لهم : لماذا نتركهم ؟ إننا مستعدون لقتالهم , فماذا قال هذا الخليفة العظيم ؟ قال- كلمة أتمنى ألا تنسوها – قال لهم :" معاذ الله, أن أكون أول من خلف محمدا بسفك قطرة دم في أمته" , آثر أن يلقى الله شهيدا على أن يواجههم بالسلاح , رجل عاقل مؤمن حكيم, يعرف أن الدنيا ليست كل شيء , يعرف أن الآخرة يجعلها الله للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا و العاقبة للمتقين , يعرف أن هناك مصيرا ينتظره , هناك آخرة الدنيا ليست هي نهاية المطاف , " معاذ الله, أن أكون أول من خلف محمدا بسفك قطرة دم في أمته" ثم أطلّ على الثوار , وقال لهم:" بيني وبينكم كتاب الله, إن وجدتم فيه أن تضعوا القيد في قدمي فضعوه " أنا وإياكم نحتكم إلى كتاب الله , أول قضية نظر فيها عثمان بن عفان بعد اختياره للخلافة , قضية خطيرة جدا , عندما قتل عمر بن الخطاب -رضوان الله عليه- سمع أحد أبنائه بأن نفرا قد شاركوا أبا لؤلؤة في المؤامرة على قتل أبيه , وكأنه تيقن من ذلك فأخذ سيفه وقتل هؤلاء الناس, - وهم متهمون حقا- ابنة أبي لؤلؤة , و رجل نصراني اسمه جفينة , والهرمزان الذي كان أبو لؤلؤة جالسا عنده ليلية الجريمة , قتلهم عبيد الله بن عمر , وعندما بويع لعثمان بالخلافة فوجئ بهذه القضية أمامه , ماذا فعل عثمان بن عفان ؟ اعتذر بأن الظروف لا تسمح!! ليس هناك ما يحول دون إقامة العدل, قدم عبيد الله بن عمر للقضاء , وقال له :" لقد فتقت في الإسلام فتقا لم يفتقه أحد قبلك" , ما الذي فعلته ؟ إنك وضعتنا في مأزق قانوني , وفتحت ثغرة في الإسلام لم تفتح من قبل, قتلت ناس بلا بينة وبلا دليل , ثم سلمه لولي الدم, ولم ينجه إلا أن ولي الدم قد عفا, هذه هي تجارب الإسلام التي تبيض الوجوه, وترفع الرؤوس , وتدفع إلى المزيد من الافتخار . علي ابن أبي طالب -كرم الله وجهه- خرج عليه قوم سموا الخوارج , كفروه وفي النهاية قتلوه , ماذا كان موقف علي منهم ؟ سئل علي عنهم, قالوا :هل هم كفار؟ قال: هم من الكفر فروا , ما هم؟ قال : هم إخواننا بغوا علينا , كيف نتعامل معهم ؟ قال : لا نمنعهم مساجدنا ولا نمنعهم الغنائم إن قاتلوا معنا , ولا نبدأهم بقتال , ولا نجهز على جريحهم , ولا نتبع هاربهم , أهم ما يميز الخلافة الراشدة يا سادة: الوحدة وحقن الدماء وإقامة العدل , ماذا نتحدث عن نور الدين محمود , وعن عمر بن عبد العزيز؟ لعلنا نتناول سيرة هذين القائدين العظيمين مرة أخرى, نسأل الله أن يهيئ لامتنا الإسلامية قيادات مؤمنة, تذكر ما عليها وتنسى ما لها, تنسى نفسها وتذكر شعبها, أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
أيها الإخوة قد دخلنا في العشر الأواخر من شهرنا , شهر الصيام والقرآن , وهذا يعني أن هذا الشهر المبارك يوشك أن يغادرنا , ولا ندري هل سنشهد رمضان القادم , أم لا؟ فانه يفصلنا عنه أحد عشر شهرا , الله وحده الذي يعلم ما هو فاعل في هذه الشهور التي تفصلنا عن ذلك الشهر القادم , ليس هذا فقط , بل إن الإنسان منا لا يعلم ماذا يكسب غدا؟ فان الله يقول{ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} وفي القرآن الكريم {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ }, { وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ } كل هذا له معنى واحد , أن نشمر أيها الإخوة عن ساعد الجد , أن نواصل طريق العبادة التلاوة الذكر الاستغفار , إن هذه الأيام العشر فيها ليلة القدر, التي تحدث عنها القرآن والتي هي خير لا تعادل فحسب ألف شهر , إنما هي خير من ألف شهر لمن أحياها, لمن صام نهارها وقام ليلها , اجتهدوا أيها الأخوة في العبادة , اجتهدوا في الذكر , اجتهدوا في الاستغفار , توبوا إلى الله تعالى مم أحاط بنا من ذنوب وأخطاء , أكثروا الدعاء في هذه الليالي المباركات, ولا أقصد بالدعاء فقط , الدعاء الذي يحبه الناس ويأمنون له بأصوات مرتفعة, عندما يسمعون الإمام يدعو بالنصر اللهم انصرنا وأهلك عدونا ونور قبورنا, تنشرح صدورهم بذلك لأنها أدعية في صالحهم , نريد أن نركز في الدعاء على ما نتحمل مسئوليته, نطلب من الله تعالى أن ينزع من قلوبنا الكراهية , أن ينزع الأنانية والبخل , أن ينزع منا الفوضى وحب الدنيا, نطلب من الله أن يعلمنا كيف يحب بعضنا بعضا , نطلب من الله أن يعلمنا أدب الإختلاف , نطلب من الله أن يعلمنا كيف ننتصف من أنفسنا , وكيف ننصف الآخرين , لاحظت الناس أنهم يحبون الأدعية التي لا تحملهم المسئولية , التي تحقق لهم أهدافهم , إن قلت: انصرنا , أهلك عدونا , نّور قلوبنا , لكنهم لا يتذكرون الدعاء الذي يحملهم المسئولية , ماذا نفعل في حب الدنيا المتركز في قلوبنا؟ ماذا نفعل في الأحقاد والتعصب , الذي يستكين في ضمائر الكثير منا؟ ماذا نفعل في القطيعة المستحكمة فيما بيننا؟ لماذا لا نرفع عقائرنا ليل نهار ؟ اللهم اجعلنا ممن يحب لأخيه ما يحب لنفسه , ندرب أنفسنا على هذه العادة , يكفي هذا الدعاء :"اللهم اجعلنا ممن يحب لأخيه ما يحب لنفسه " ,هل جربت هذا الدعاء؟ و هل سألت نفسك وقلت هل أحب لأخي ما أحب لنفسي؟! هل جربت أن تدعو ربك لتطلب منه أن يعلمك وأن يهبك المعرفة ؟ , كيف تتعامل مع الآخرين ؟ كيف نحب بعضنا بعضا؟ كيف يحاور بعضنا بعضا ؟ اللهم علمنا كيف يتحاور بعضنا مع بعض, بالرصاص , بالصراخ , بالتعصب والكراهية , أم بالمحبة والبرهنة , هذه أدعية ينبغي أن ننفتح عليها , مسألة أخيرة هناك فوضى في كثير من مظاهر السلوك الديني , هناك تعلق بالنوافل وإهمال الفرائض , أنا كثير من الناس يسألوني عن التسابيح وعن صلاة الضحى وعن وعن, أنا أقول النوافل لا قيمة لها إذا ضاعت بجوارها الفرائض , هناك فرائض أيها الإخوة, هذا الأخ الذي يعتمر كل سنة , العمرة نافلة , هذا الذي حج واعتمر ويريد أن يحج مرة أخرى هذه نافلة , لو قلت له ضع تكاليف العمرة وتكاليف الحج الثاني في يد هذه الاسرة المريضة التي تريد ان تعالج ابنها, هل يفعل ؟ أم أنه يصر على أن يحيي النفل ولو ضاع بجواره الفرض, طالما نعمل لله تعالى هذا البذل هنا فيه أجر من الله اكبر من تلك الرحلة النافلة {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} , {وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى , إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى } , هات تكاليف العمرة وتكاليف الحج الثاني وضعها في يد الطالب الذي لا يجد الرسوم, هذه الأسرة التي تتلوى من الجوع , هذه الأسرة الحزينة والملتفة حول مريضها, لا تظن أن النافلة تنفعك , وأنت تبخل بما لا يضرك , وما ينفع غيرك, إن من أهم خصائص الإسلام أيها الإخوة :أنه نفّاع للناس , إن التدين الحق يقاس بمدى نفع صاحبه للناس , إياك أن تظن لا النافعة تنفعك ولا تلاوة القرآن تنفعك , وأنت لا تهب لنجدة ملهوف, وأنت لا تساعد محتاج , وأنت بخيل كازّ قابض يدك على ما لا يضرك , إن الله تعالى عبر عن الإسلام بما ينفع الناس قال تعالى{ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ }, أنا أعرف أن كثيرا من الناس لو خيرته بين أن يدفع مبلغا بسيطا , وبين أن يصلي مئة ركعة, سيصلي مئة ركعة , فالناس أيها الأحباب لهم تعلق بالتدين غير المكلف , التدين الذي لا يحملهم أعباء , وضوء و ملابس بيضاء و طيب و مساويك و صفوف أولى , لا يخسر شيئا , لا يخسر شيئا , إنما عندما يكلف بعبادة الله , العبادة الحق{ لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}, سأل رجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له: يا رسول الله , ما علامة الله فيمن يريد؟ قال كيف أصبحت ؟ قال يا رسول الله: أصبحت أحب الخير وأهله, فإذا قدرت عليه فعلته, وإن فاتني شيء منه حزنت عليه وحننت إليه , قال: تلك علامة الله فيمن يريد , هل أنت كذلك تحب الخير وأهله؟ هل تحزن على الخير إن فاتك ؟ هل تحن إليه ؟ الإسلام سهل ميسور, ليس شعارات ليس فلسفات ليس شقشقات ليس كلام فارغ ولا غير فارغ , إنما الإسلام كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ,هل يسلم المسلمون من لسانك , أم انك تلغ في أعراضهم صباح مساء ثم تصلى الضحى و التسابيح و التراويح , هل يسلم المسلمون من يدك ظلما وعدوانا , الإسلام يقوم على قلب تقي نقي طيب محب للناس , ويقوم على أيدي نظيفة ومستقيمة وعلى السنة خيرة.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون