بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
فيقول الله تعالى منوها بفضله على المسلمين في انتصارهم في معركة بدر {وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } , فكان انتصار بدر نقلة بعيدة , انتقل بها المسلمون من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة النصر والتمكين , ومعركة بدر تكتسب أهميتها من جملة أمور , تكتسب أهميتها من حيث : أنها المواجهة العسكرية الأولى مع الكافرين , ولذلك لك أن تتخيل كيف كان يمكن أن يكون وضع المسلمين , لو أنهم هزموا في هذه المواجهة ؟ -لا سمح الله- فهي المواجهة الأولى إذا , والنصر فيها هو الذي سيؤسس لحركة الإسلام فيما بعد , شرقا وغربا وشمالا وجنوبا , وتكتسب أهميتها أيضا مما تبدّى من خلالها من أخلاق , من قيم أخلاقية وإيمانية , بطولات إيمانية فارعة , تضحيات كانت نضح الإيمان واليقين, وكذلك قيادة ربانية يوحى إليها, كانت تسبب مسار هذه المعركة , وكانت تمارس تواضعا لا مثيل له , وكانت تمارس شورى تؤكد على كرامة الإنسان, فالنبي- صلى الله عليه وسلم - في هذه المعركة : كان يتناوب مع صحابيين آخرين بعيرا واحدا , وهم يتوجهون إلى أرض المعركة . الإسرائيليون في مذكراتهم وفي كتبهم يقولون إن الجيوش العربية جديرة بالهزيمة , لأنها جيوش تفرق بين القادة وبين الضباط والجنود , ونحن نقول للإسرائيليين : إن أردتم أن تحكموا على الإسلام والمسلمين , فمما يؤسف له أن الواقع القائم لا يمثل الإسلام والمسلمين , نحن الذين ابتدعنا المساواة بين البشر , ونحن الذين نقرأ صباح مساء في كتابنا الكريم سورة الشورى , { وَأَمْرُهُمْ شُورَى } , والنبي -صلى الله عليه وسلم - مارس الشورى بكامل عناصرها في هذه المعركة, رغم أنها المواجهة العسكرية الأولى, وما كان يلام -صلى الله عليه وسلم- لو أنه استبعد الشورى فيها , وهو في ميدان المعركة , لكنه مارسها وهو في الميدان , عندما جاءه أحد الصحابة وقال له: " يا رسول الله أهذا منزلك انزلكه الله, أم هو الرأي والحرب والمكيدة" . إن النبي -صلى الله عليه وسلم - يريد أن يفجر طاقات الناس , لا يريد أن يقمعهم أو أن يعطل طاقاتهم , إنه يريد أن تتفتح هذه الأذهان, إنه يريد أمة لا تجيد الاستماع فقط , وإنما تجيد السؤال والاستفسار والاستفهام , قال له: "إنه الرأي والحرب والمكيدة" قال :" فقم يا رسول الله , ليس هذا بمنزل" , وتستمد معركة بدر أهميتها أيضا من المرحلة التي نحتفل بها فيها , هذه المرحلة التي ورثنا نحن المسلمين من خلالها هزائم ثقافية وسياسية وعسكرية , وما زالت أبصارنا ترنوا إلى نصر يبّيض وجوهنا , ويرفع رؤوسنا, ويعيد لنا حقوقنا , وتكتسب أهميتها أيضا : من حيث السورة التي نزلت تعقيبا عليها, وهي سورة الأنفال التي نزلت تعقب على أحداث هذه المعركة {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } , هذا كلام لابد أن نتأمله وأن نتدبره وأن نتدارسه فيما بيننا, ونحن نعيش الأيام النحسات التي ذهبت فيها ريحنا و فل فيه حدنا , إن الله –سبحانه و تعالى- كما تلاحظون في السورة ذكر الجبهة الداخلية وما ينبغي أن تكون عليه من صفات وخصائص في أول السورة وفي آخرها {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ} حكمها لله والرسول لا تخافوا ظلما ولا هضما , لكن ينبغي أن تفكروا فيما هو عليكم , لا أن تفكروا فيما هو حق لكم , إن الشعوب المجاهدة والمناضلة في لحظات الحرج والشدة تفكر فيما عليها , لا تفكر في غنائم و في محاصصة و في كذا وكذا , هذه معان تغلب على الشعوب المتخلفة , التي تحكمها طبقات ذات مصالح , طبقات سياسية أو طبقات رأس مالية , لا تفكر إلا في نفسها, فالله تعالى يرد على المؤمنين الذين اختلفوا حول الغنائم -وهي التجربة الأولى كما قلت لكم - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ) لا تخافوا ظلما و لا هضما , إن حكم الأنفال لله والرسول , لكن ما الواجب عليكم في جبهتكم الداخلية {فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }, التفوا إلى ما يجب عليكم , انسوا موضوع الغنائم والمصالح , وافعلوا ما يجب عليكم , متنوا البناء الداخلي لجبهتكم , ولذلك تكلم عن مواصفات هذه الجبهة التي هي جديرة بالنصر , بعد أن قال { فَاتَّقُواْ اللّهَ }التطهير النفسي , { وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } تمكين العلاقات الاجتماعية , ولاحظ انه في تضاعيف السورة أيضا أشار إلى دور المؤمنين الموحدين و الموحدين في المواجهة فقال تعالى {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } , دور تأليف القلوب في تحقيق النصر , دور إصلاح ذات البين , الممزقون لا يحققون نصرا , إنهم لا يغيظون عدوا ولا يسرون صديقا {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ} و هناك يقول {هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ , وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}, ثم يتكلم عن صفات المؤمنين الجديرين بالانتصار , برفع الراية , بنصر الرسالة , باستعادة الحقوق , بأداء المهمة والوظيفة {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ , الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ , أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } , ذكر و وجل وإنفاق وخوف من الله و توكل عليه , ثم عادت السورة في آخرها لتتحدث أيضا مرة أخرى عن المؤمنين وعن الجبهة الداخلية, وما ينبغي أن تكون عليه من تماسك , لكنها ذكرت صفات أخرى في آخر السورة { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } , رسم سورة أخرى أيضا للمعسكر الذي نواجهه ونقاتله , ولابد أن نقاتله كافة كما يقاتلونا كافة {وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } , إلا تحققوا الولاء والبراء , إلا تحققوا الولاء لله ورسوله والمؤمنين , والبراء من أعداء الإسلام,من الذين يناوؤن الإسلام العداء, من الذين يهددون عقيدة الإسلام ووطن الإسلام والمسلمين , وختم السورة أيضا بهذه المواصفات , في أولها كلام عن المؤمنين وعن جبهتهم الداخلية , وفي آخر السورة كلام عن المؤمنين وعن جبهتهم الداخلية , في إشارة لا تخفى دلالتها على ذوي الألباب بأن هذه هي مواصفات المنتصرين -أيها الناس - { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } ثم تتكلم هذه السورة الكريمة التي تعقب على هذه المعركة التاريخية المهمة , عن مسألة في غاية الأهمية , وهي ضرورة وضوح الهدف , فيما نقاتل ؟ إن الإسلام لا يقاتل إلا مضطرا {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} , لكن الهدف لابد أن يكون واضحا, {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} لابد أن يتحرر الناس من الأعصار والأغلال والقيود, وأن يحققوا حريتهم في اختيار ما يدينون به{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَة } , حتى لا يبقى هذا الصدود عن الدين وعن الحق { وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ , لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } , هذه هي غايات القتال في الإسلام, وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ , لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } إننا لا نقاتل تحت راية جاهلية ,لا نقاتل بدوافع عصبية , إنما نقاتل في سبيل الله وابتغاء مرضاة الله, إنما نقاتل لتقليم أظافر الباطل, إنما نقاتل لهزيمة الظلم والظالمين , {وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ , لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } وتتحدث السورة أيضا عن الرعاية الإلهية التي منّ الله بها على المؤمنين الصادقين {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ , وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } , إن ملكا واحدا كفيلا في حصد الكافرين جميعا , لكن ذلك العدد كان تثبيتا للمؤمنين و ترسيخا لأقدامهم في هذه المعركة المصيرية, {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ , وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ثم يقول تعالى {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ , فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } , وهذه الرعاية الإلهية حقيق بها كل مسلم صادق في كل زمان ومكان , وتتكلم السورة أيضا -التي جاءت تعقيبا على أحداث معركة بدر- تتحدث عن العامل المادي الذي يدور في نطاق الأسباب, والذي لا تأتي الرعاية الإلهية إلا بعد أن يستنفذ المسلم جهده فيها, فيتحدث عن ضرورة إخراج القوة فيقول جل جلاله {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} , لكنها ليست القوة الباطشة , وليست القوة غير المنضبطة , إنما هي القوة ذات الأهداف الواضحة والمحددة , القوة التي تدافع عن المظلومين والتي تحمي حقوقهم {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ } , والإرهاب هنا ليس بمعناه الشائع في أيامنا هذه , وإنما الإرهاب في السورة يعني ردع الكافرين عن التفكير في العدوان للإسلام والمسلمين , {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ } إنها قوة ذات أهداف واضحة و محددة , إنها قوة تصون ولا تبدد , وتحمي ولا تهدد , أنها تحرس العدالة وتقلم أظافر المعتدين , وتكلمت السورة -وهي تعقب على أحداث معركة بدر- عن سبب الهزيمة التي لحقت بالكافرين , والذي يمكن إن وجدت هذه الأسباب في أي بيئة كانت أن تلحق بها الهزيمة , قال تعالى {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شاقوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ , ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } , فلا يغير الله ما بك من نعمة إلا إذا غيرت مسارك وكفرت بهذه النعمة, ويتوعد الكافرين أنها مهما كانت قوتهم فإنهم مهزومون أمام قوة الله, { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } و مما أكدته هذه السورة الكريمة- و هي تعقب على معركة بدر- من الانتصار العظيم الذي حققه المسلمون هناك , أنها قررت أن الباطل لا مستقبل له , أن الباطل لا يدوم له سلطان , أن الظلم لا تدوم له دولة, وكما قرأنا وتعلمنا صغارا "دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة " لكن الرهان على أصحاب الحق , ماذا هم فاعلون؟ إن نصر الله لا يتنزل على تنابلة نائمين , إنما يتنزل نصر الله على عبّاد مجتهدين مؤمنين صادقين , ولذلك تخلل هذه السورة الكريمة , ستة نداءات جديرة بالتأمل والمدارسة , ولو كان الأمر بيدي لعقدت لها جلسات في المنتديات العامة وفي المساجد والمدارس , ليدرسها المسلمون وليتأملوها, ستة نداءات النداء الأول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ , وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } , إن المسلمين في زمن فرقتهم ونزاعاتهم ولوّا الأدبار أكثر من مرة , وإلا ما الذي يحدث في القدس؟ وفي أماكن كثيرة أخرى أيها الأعزاء , النداء الثاني {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ } , النداء الثالث {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } , هذه الآية التي فرغتها الأصوات الناعقة من مضامينها , وكأنها أنزلت للحشد الحزبي أو الجماهيري لمصلحة الأحزاب , نسمع بعضهم يصرخ بها , وهو لا يدرك لها دلالة , لابد أن نعرف معالم الحياة في الرسالة الإسلامية, لابد أن نعرف معالم الحياة في العقيدة الإسلامية (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا) , {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ } , النداء الثالث {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } , النداء الرابع {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } , ماذا جرّ علينا الخونة في كل مرحلة من مراحل حياتنا, هذه النداءات تحتاج إلى شرح والى تأمل, وأنا فقط اكتفي بلفت أنظاركم إليها في هذا اللقاء الموجز و السريع , النداء الخامس {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } , ما أحوجنا إلى الفرقان , الفرقان ما معناه؟ معناه الرؤية البصيرة, أن تكون لديك رؤية تحدد من خلالها أهدافك, تحدد من خلالها وسائلك , ماذا تريد؟ ماذا تفعل؟ ماذا تأخذ ؟ ماذا تدع ؟ هذا هو الفرقان, في المناسبة معركة بدر اسمها الفرقان , وهي فرقت بين الحق والباطل , وأسست لحركة الإسلام وانتشاره شرقا وغربا وجنوبا وشمالا, النداء السادس والأخير وهو نداء اشتمل على نصائح ستة أيضا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ , وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ , وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } , هذه نداءات الستة التي تضمنت أسباب النصر , وتضمنت التحذيرات من أسباب الهزيمة , الناس اعتادوا بعد النصر أن تأتيهم التهنئة من هنا وهناك , بل هم يهنئ بعضهم بعضا أحيانا بالهزيمة التي يجعلون منها نصرا وهما وكذبا, اذكر أننا قبل هزيمة السابع والستين, كنا نخرج من مدارسنا ونحن طلاب في الابتدائية والإعدادية, نخرج أربع مرات في السنة أو ثلاثة على الأقل, لنحيي مناسبات بأعياد النصر , ولا أدري أي نصر ذلك ؟ و الذين عاشوا تلك الحقبة يذكرون , و العرب في عصر الهزائم يعيشون على الكذب والأوهام , إن الله تعالى لم ينزل آيات يهنئ فيها المسلمين , إنما نزل فيها آيات يمثل على متانة بناء المجتمع الإسلامي , ويذكرهم بأسباب النصر , ويحذرهم من أسباب الهزيمة , ويدعوهم إلى التحرر من الغرور والخيلاء { إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ , وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً , فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً } , أيها الإخوة لا حل لمشكلاتنا إلا بأن نعيد للإيمان مكانته , وأن نعيد للإسلام اعتباره في أوضاعنا الخاصة المحلية والعالمية أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
أوصيكم أيها الإخوة ونفسي بتقوى الله وطاعاته لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } , هناك مفارقات مؤلمة جدا , من هذه مثلا: عدد المسلمين في العالم يماثل عدد الصين وحدها, لكن هل الأخوة الإسلامية تربط بين المسلمين , كما تربط القومية الصينية أو الفكرة الشيوعية بين الصينيين, إنهم دولة واحدة , ولهم صوت يمثلهم في مجلس الأمن , ويملكون أن يعترضوا على أي قرار لا يروقهم, وأن يقفوا موقفا حاسما في وجه العالم كله , هل المسلمون الذين يماثلون الصين في العدد, لهم تأثير الصين سياسيا وعسكريا وعلميا واقتصاديا , أليست هذه المفارقة جديرة بأن تشغل عقول المسلمين؟ المسلمون في العالم أيها الأخوة: خمس العالم , لكن كيف هي أحوالهم؟ إنهم مستنقع ومستودع لكل جراثيم الفرقة والتجزئة, كل أسباب المشكلات والتفرقة والتجزئة موجودة {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ}, وبالجانب الآخر أيها الأعزاء هذا ما يكمل سورة المفارقة إن صح التعبير: اليهود الذي لا يبلغون عشر معشار المسلمين , وحدوا صفوفهم وقاتلونا جبهة متساندة, فاتني شئ يضحك , لكنه ضحك كالبكى , أنا أقول إن الصين التي تماثل عدد المسلمين جميعا في العالم , لها دولة واحدة وحكومة واحدة وصوت يمثلها في مجلس الأمن, ونحن كم حكومة لنا ؟ أليس هذا شيئا مخجلا ؟ أليس هذا شيئا معيبا ؟ لماذا؟ لأننا عبيد ذواتنا , والله تحركنا مصالحنا فقط , تحركنا أهوائنا وشهواتنا , ومسكين هذا الشعب كم من جرائم ارتكبت باسمه, باسم حريته , باسم استقلاله, وقس على ذلك اليهود جاءونا من كل مكان, حشدوا أنفسهم أنهوا مرحلة شتاتهم, ليبدأ شتاتنا نحن, وحدوا صفوفهم قاتلونا عن جبهة متساندة واحدة , وهاهم يحاصرون المسجد, ويحاصرون المسلمين جميعا في كل مكان للأسف , وهم ماضون في تنفيذ مخططاتهم, لأنهم لا ينامون , ونحن مشغولون بقضايانا وبمشكلاتنا , فلذلك ذهبت ريحنا و فل حدنا , وعشنا هذه الأيام النحسات , هل يستطيع أحد منكم أن يجيبني , لماذا يبقى هذا الانقسام وهذا النزاع والصراع ؟ لماذا يبقى والسكين على أعناق الجميع؟ لماذا لا نفكر كيف نغيض العدى, وكيف نذيقهم الردى ؟ لماذا؟ هل يعتقد أحد من الصغار أو الكبار أن ما نحن فيه يغيض اليهود ؟ قال لي أحدهم من الآيات التي تهزني قول الله تعالى {أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} , قلت له إي والله , نسأل الله أن يؤيد هذا الدين برجل رشيد مؤيدا بنصره وبالمؤمنين.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون