بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
نستكمل حديثنا عن العفو, فالواقع أننا أيها الإخوة محتاجون لإحياء هذا الخلق فيما بيننا , العفو والتسامح بدلا من التعصب والتشدد , نحن شعب مظلوم تألبت عليه قوى كثيرة , وتخلى عنه أقرب الناس, فلا ينبغي أن نكون عونا للأعداء على أنفسنا , لابد أن تسود الثقافة , العفو والتسامح , والعفو من صفات الله الكريم الذي يعفو وهو صاحب الأمر( إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً) و هو غني خلقه , غير محتاج إليهم , {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } , ولابد أن يكون لي ولك حظ من اسم الله العفو , أن نعفو وأن يعفو بعضنا عن بعض , أن نتنازل عن بعض حقوقنا لا بأس ( وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) , والعفو من أخلاق الفرسان , الفارس الشجاع إذا قدر عفا, النذل هو الذي يسحق خصمه إذا قدر عليه , وإذا تغيرت موازين القوى تغير, يقبل يد خصمه , لكن الفارس الشجاع هو الذي تتولد فيه إرادة التحدي إن كان خصمه قويا , ولا ينحني أمامه , لكنه يعفّ ويعفو عندما يتمكن من خصمه , والحق أيضا أيها الأعزاء أن من قواعد التشريع الإسلامي : "أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة" , أن تخطأ في العفو عن المدان خير عند الله من أن تخطئ في عقوبة بريء , هذه من قواعد الإسلام , وكذلك أن تلقى الله يوم القيامة مخطئا في الحكم بإسلام ألف كافر خير لك عنده من أن تلقاه مخطئا في الحكم بتكفير مسلم واحد , ليكن خطأك في العفو , لا يكن خطأك في العقوبة , ومن قواعد الإسلام أيضا :" درء الحدود بالشبهات" , عند أول شبهة يوقف الحد , لماذا كل ذلك ؟ لأن الإسلام لا يتلمظ لإدانة الناس وسفك دماءهم , لأن الإسلام لا يتشهى إثبات التهم على عباد الله , وإنما يتمنى لكل الناس السلامة والنجاة وطهارة الصفحة , الإسلام عندما تستعرضه وعندما تقرأه تجد أنه دين دعوة وإقناع , ليس دين قتل وقتال , هناك ضرورات تستدعي القتال في مواجهة العدو الخارجي, في الداخل الإسلامي لا قتال . إن الإسلام في جوهره دين دعوة ليس دين قتل أو قتال , وكما قلت : لا يشتهي سفك الدماء أو إدانة الناس لأدنى ملابسة, أو لأدنى شبهة , فالشبهات في الإسلام تدرء الحدود , وكذلك الإسلام دين هداية وليس دين جباية أو جمع أموال , الذين يفهمون الدين على هذا المستوى , ربما كانت هناك عوامل فرضت على هذا الدين على مر التاريخ - ليس الآن الوقت مناسبا لشرحها - , على كل حال , النبي- صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية ماذا قال؟ , قال:" والذي نفسي بيده لا تعرض علي قريش خطة تسألني فيها صلة الرحم إلا أعطيتها إياها" , الأصل في هذا الدين : التسامح والعفو , وعندما تسرع بعض الناس في اتهام الآخرين أو في قتلهم نزل قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } , ان اتهام الناس وإدانتهم كتمهيد لقتلهم لا يكمن وراء هذا الفهم إلا الرغبة في الحياة الدنيا, عرض الحياة الدنيا, كما قال تعالى في الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } هذا هو الأصل في دين الله التبين, العفو , الخطأ في العفو كما قلت خير من الخطأ في العقوبة , الحكمة في معالجة الأمور, يروى أن الصحابي الجليل -عبد الله ابن مسعود- جلس في السوق ليشتري طعاما , فلما اشترى أراد ان يدفع الثمن بحث عن الدراهم -وكان قد وضعها في عمامته - فعندما وضع يده في عمامته يبحث عن دراهمه وجد أن العمامة قد حلت وأن الدراهم ضاعت فعلم أنها سرقت, فأخذ الناس الذين معه يدعون على السارق اللهم افعل به كذا اللهم اقطع يده, اللهم كذا وكذا. لكن عبد الله ابن مسعود رفع يديه إلى السماء وقال دعاء جدير بالتأمل وجديرا في أن يغرس في نفوسنا وأرواحنا فضيلة العفو والتسامح , ونحن شعب منكوب فلا ينبغي أن نكون عونا لأعدائنا وعون الشيطان على أنفسنا, قال عبد الله ابن مسعود :" اللهم إن كان قد حمله على أخذها حاجة إليها فبارك له فيها , وإن كان حمله على أخذها جرأة على الذنب فاجعله آخر ذنب له " , رجال لا تحمل نفوسهم كراهية أو حقدا , النفوس الكبيرة لا تعرف الكراهية , ولذلك ركز الإسلام على تزكية النفس وعلى تطهيرها {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا , فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا , قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا , وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } , أمير المؤمنين - علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه - في بعض المعارك تمكن من عدوه , أن يقتله , لكنه فجأة بعد أن همّ به وتمكن منه ابتعد عنه , فلما سئل قال : " لما هممت به أن اقتله بصق في وجهي , فخشيت أن اقتله غضبا لنفسي لا غضبا لله" هذا هو نهج النبي -صلى الله عليه وسلم- , في الجانب الشخصي كان يعفو ويسامح لكن في الجانب الموضوعي والمبدئي كان يتمسك بالمبدأ , "ما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لنفسه قط , لكن إذا انتهكت محارم الله على صوته واحمر وجهه وكأنه منذر جيش , يقول: صبحكم مساكم"هذا الفرق بين ديننا وبين أولئك أيها الأعزاء , إننا نغضب لأشخاصنا, لهيئاتنا نغضب لسياساتنا ولأحزابنا, ولا نعفو , نتشدد كل التشدد في هذه الدوائر, لكن في المسائل العامة نتساهل على النقيض من نهج النبي- صلى الله عليه وسلم- .
علي ابن أبي طالب تمكن من عدوه لكنه لم يقتله لان العدو في لحظة معينة بصق في وجهه, فخاف علي لو أنه قتله الآن يقتله غضبا لنفسه لا غضبا لله, فعفا عن العدو حتى لا يشرك مع غضبه لله غضبه لنفسه , نحن نريد أن نتعلم العفو في دوائرنا الشخصية والذاتية , وإن كان ولابد من التشدد فلنتشدد أيها الإخوة في الدوائر الموضوعية المبدئية , التي لها علاقة بثوابت الدين والوطن والأخلاق , لكن الذي نراه شيء مؤسف أن هناك تساهلا في المبادئ العامة , وفي الثوابت العامة , وهناك تشدد فيما يتعلق في أشخاصنا أو حقوقنا الشخصية , إن الإسلام شجع على العفو فيما يتعلق لك من حقوق {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} , وسمى العفو هنا صدقة, النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول : " لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته " لكنه كان يعفو عن الأعراض الذين يغلظون له القول , والذي يجلبونه من ثوبه -صلوات الله وسلامه عليه - , عفا عن هند عندما أسلمت التي أكلت كبد عمه حمزة , وعفا عن وحشي , وعندما جثت قريش عند قدميه في فتح مكة قال: اذهبوا فانتم الطلقاء , ليس لدى الإسلام رغبة أو شهوة في الانتقام من الآخرين , إنه دعوة تقوم على الإقناع الحر ,إنه دعوة إلى هداية العقول والقلوب , دعوة إلى إحداث تغيير اجتماعي ونفسي وعقلي في حياة البشر, إنه لا يسوق الناس بالعصا (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) , {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ } ولقد عرض القرآن الكريم لنا نماذج رفيعة في العفو والتسامح , خذ مثلا نموذج يوسف -عليه السلام - , يوسف تآمر عليه إخوته وأرادوا أن يضعوا حدا أو نهاية لحياته {اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ} , ثم استقر رأيهم على أن يلقوه في غيابة الجب , أرادوا أن ينهوا حياته , ثم رفع الله قدره من حيث أراد إخوته أن ينهوه وقيل له (قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ) , وكان على خزائن مصر ومرت السنوات والله تعالى يقص الحق (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم ), لا يظنن ظالم أن الأمور ستسير له رخاء, لا, من يعمل سوء يجز به , وجاء هؤلاء المتآمرون على يوسف ودخلوا عليه واشتكوا إخوانهم له {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ } ثم عرفوا أن هذا هو يوسف واعترفوا بفضله عليهم , {قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} لكن ماذا فعل يوسف في هذه اللحظات؟ كما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم- في لحظات الفتح المبين وفي لحظات النصر الكبير, لم يتمكن منه الغرور ولم تتلبسه روح الانتقام, بل قال كما ذكرت "اذهبوا فانتم الطلقاء " ونبي الله يوسف يرى إخوته المتآمرين عليه بين يديه أذلاء فقراء ضعفاء {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } وعندما جاء أبواه مع إخوته في المرة التالية قال {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} , انظروا هذا الأدب السامق و الأدب الرفيع, تأمل يا أخي , لم يقل يوسف -عليه السلام- : وقد أحسن بي إذ أخرجني من البئر, هو لم يعف عنهم فقط , ولم يدعو لهم الله فقط , وإنما حافظ حتى على مشاعرهم, كن عفوا مقتدرا كريما نبيلا كن فارسا في حياتك , لا تتشفى من خصمك الضعيف , لا تستقوي على من جار عليه الزمن , اعف وأنت مقتدر, هذه أخلاق النبلاء, أبو بكر الصديق- رضوان الله عليه- شارك أحد أقربائه في اتهام ابنته عائشة -أم المؤمنين رضوان الله عليها -وكان هذا القريب لأبي بكر الصديق , كان فقيرا, وكان ينفق عليه أبو بكر , فلما علم أنه شارك في حديث الافك منع عنه النفقة , وهذا تصرف طبيعي قد يقع فيه جميع الناس , أنت تساعد رجلا وتنفق عليه وفجأة يطعنك في أغلى شيء لديك , ماذا تفعل معه؟ قطع أبو بكر الصدقة عنه , لكن الله تعالى الذي يرعى هذا الجيل يرعى النبي بعينه ويرعى هذا الجيل هذه الكوكبة من الصحابة الذين أحاطوا بسيد الخلق , أنزل قوله تعالى {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } , نحن يقطع بعضنا النفقة عن بعض لأسباب لا تقاس بهذا السبب بتاتا , أما آن لنا أيها الإخوة أن يعفو بعضنا عن بعض , وأن يقترب بعضنا من بعض , نريد أن تسود مجتمعنا ثقافة الحب والتسامح , ثقافة العفو أيها الإخوة , اسألوا الله جل جلاله ليحبب إلينا العفو , وأن يحبب إلينا التسامح, ويكره إلينا التعصب والتشدد , أن يحبب إلينا إنصاف الآخرين أن تنصف الآخرين و تعفو أيضا عنهم وأن يكره إليك التعصب والتشدد وظلم الآخرين, إننا مجتمع يحتاج إلى هذا الخلق وعن الترفع والأحقاد , إلى أن نحتقر الانتقام الشخصي , لأن الإسلام يحتقره, الإسلام يريد منا نفوسا كبيرة وعقولا متفتحة وقلوبا طيبة طاهرة , لاسيما في هذا الشهر المبارك , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
القوة حتى تكون أداة نصر , وأداة عدل , أداة لإقامة العدل وحماية الحقوق وتحقيق الأهداف , لابد أن تقترن بالحكمة , لكن القوة إذا افتقدت الحكمة تحولت إلى وبال على صاحبها وعلى الناس أجمعين , أليس كذلك؟ لابد من حكمة تحفظ القوة وتدفع القوة باتجاه تحقيق الأهداف النبيلة في حياة البشر, حدثني أخ متابع , عن قول لرئيس أمريكي أسبق , استشهد بهذا القول الرئيس الأمريكي الحالي- في خطابه الشهير بالقاهرة- قال الرئيس الحالي -وهو يخطب في القاهرة مستشهدا بقول الرئيس الأسبق - أنه كان يقول: أتمنى أن تنمو حكمتنا بقدر ما تنمو قوتنا, وأن تعلمنا هذه الحكمة درسا مفاده أن القوة تزداد عظمة كلما قل استخدامها" كلام جميل بلا شك ,لان القوة بلا حكمة كالسيف بيد المجنون, تخيلوا مجنونا في يده سيف مجرد من غمده , وهو يسير في الشوارع العامة, ماذا يفعل بسيفه هذا؟ القوة بلا حكمة , إذا حتى تحقق القوة أهدافها في حماية حقوق الناس , وفي إقامة العدل , لابد أن تقترن بالحكمة التي تحدد الموضع التي تستخدم فيه القوة, ملكة سبأ في مساجلاتها مع سليمان, استشارت قومها ماذا تفعل؟ وقد جاءها كتاب من سليمان بالاستسلام إليها {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ , قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ } , نحن أولوا قوة وبأس شديد, لكن المرأة الحكيمة لم تسترسل مع منطق العسكر في الاغترار بالقوة, ولجأت إلى ما يسمى في العصر الحديث بالوسائل الدبلوماسية , العسكر الذين يحيطون بها حاولوا أن يغروها بالقوة و أولوا بأس شديد , نحن جاهزون بأن نحقق ما تريدين, هذه وظيفتهم , لكن المرأة الحكيمة رفضت ذلك ولم تسترسل مع هذا المنطق الأهوج , وهي تعرف قوة سليمان , لم ترد أن تقود شعبها إلى مذبحة, أو إلى قوة لا قبل لهم بها, {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} , أنا لدي تجربة ولدي معرفة بالتاريخ , القوة لابد أن يكون لديها حكمة وتجربة عميقة ومعرفة بالتاريخ و بقوانين التاريخ , وقالت المرأة ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ), القوة مع الحكمة ومع التواضع عدالة وحفظ حقوق, والقوة مع الغرور وفقدان الحكمة بطش وجبروت وظلم , ولذلك قال الله تعالى لبعض الأقوام {وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } , وعد هذا من أخطر عيوبهم , وعرض نماذج القوة المغرورة فقال تعالى {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ , فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ} , لاحظ هذا التعقيب وهم لا ينصرون , القوة الحمقاء المغرورة لا تحقق نصرا لأهلها, أين ذهب فرعون ؟ وذهبت عاد؟ أين ذهب هتلر ونابليون و موسوليني في هذا العصر الحديث ؟ كلهم كانوا يتمتعون بالقوة لكنها قوة مغرورة , نريد أيها الأعزاء قوة تصون ولا تبدد , تحمي ولا تهدد, تجمع ولا تفرق , نريد قوة على منهج أبي بكر الصديق- رضي الله عنه-, عندما صرخ وهو يقول : "القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه, والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له "من الكلمات الحكيمة والبائعة إذا دعتك قدرتك إلى ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك ,
والقائل يقول :
إذا كنت في أمر فكن فيه محسنا فعما قريب أنت ماض وتاركه
فكم دحت الأيام أرباب دولة وقد ملكوا أضعاف ما أنت مالكه
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون