بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد: أيها الإخوة :

مما يؤسف له ولا ينتهي منه العجب , أن شعوب العالم الإسلامي والعربي, هي أكثر الشعوب منازعات وصراعات وخلافات , مع أنها أكثر الشعوب استهدافا لأوطانها ولمقدراتها و لمقدساتها , و رغم ذلك , ينازع بعضهم بعضا , ويصارع بعضهم بعضا , ويسفك بعضهم دم بعض , ماذا يحدث في العراق ؟! وماذا يحدث في الصومال؟! وماذا يحدث في اليمن ؟! وماذا يحدث في باكستان ؟! وماذا يحدث في أفغانستان ؟! وما الذي يحدث عندنا بين الفينة والفينة ؟! كأننا لسنا مخاطبين بقول الله تعالى (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) كأننا لسنا المخاطبين بهذا البيان الإلهي , أين ذهبت منا الحكمة ؟! وأين ذهب منا العقل؟!  نحن المسلمين جميعا مستهدفون من كل قوى الاستكبار في العالم , ما زلنا نعيش احتلالا -مثلا- نحن هنا , والعراق تعيش احتلالا, ومناطق أخرى تعيش حالة من التبعية والخضوع للنفوذ الأجنبي , أين ذهب منا العقل ؟! وكنا نردد ونحن صغار نشيدا يقول :  ولن تصلوا العلا متفرقين , وها نحن نصرُ على التفرق , و أنا سوف أتكلم عن بعض أسباب هذا الإصرار , إن الله سبحانه و تعالى لم يكتف بنهينا عن التنازع , وإنما أمرنا بالأخذ بأسباب  القوة المعنوية (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا) , اعتصموا بحبل الله , إن حبل الله متين أيها المسلمون ولا تفرقوا وأيضا  {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } , إن هذا التنازع الذي تعيشه الأمة في أكثر من موقع  "إثم"  يبوء بالإثم من يفتعله , يبوء بالإثم من يشارك فيه , يبوء بالإثم من يؤججه,  لماذا ؟ لان هذا التنازع يعوق حركة الإسلام إلى الأمام , هذا التنازع يا سادة : يؤخر الأهداف الإسلامية إلى الوراء , أين ذهبت قضيتنا؟! من يعرف؟! إلى أين نحن صائرون ؟ ماذا ننتظر ؟ هل سيعود اللاجئون؟  هل ستعود إلينا القدس؟  إن التنازع إثم ,  إنه فعل لما نهى الله عنه ,  ولا تنازعوا فتفشلوا, إنه يعكس صورة سيئة للإسلام والمسلمين , لماذا لا تسفك الدماء إلا في ديار المسلمين ؟ لماذا المسلمون وحدهم هم العاجزون عن حل مشكلاتهم ؟  الأمم تتحاور ويقترب بعضها من بعض , ويقدم كل فريق بين يدي قضيته الدليل على صحتها , أما نحن فسرعان ما يخرج بعضنا إلى الآخر حاملا ما استطاع من عتاد , إن النزاع إثم يبوء به من يفتعله ومن يؤججه , لأنه يعيق حركة الإسلام , يعيق تحقيق الأهداف التي نحلم بها .

كان أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب -كرم الله وجهه- يجأر إلى الله بهذه الشكاة يشكو , يشكو وحدة أهل الباطل على باطلهم, وتفرق أهل الحق حول حقهم , أهل الباطل موحدون , هل تسمعون نزاعات هناك في تل أبيب؟  أو نزاعات دموية , أصاب الكيان الصهيوني انزعاج كبير بسبب جملة جرائم جنائية وقعت -الأيام السابقة- ,  لكن نهضت الأجهزة والمؤسسات لتحاصر هذه الظاهرة , إن الله سبحانه و تعالى وصف اليهود قال (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) , أأكون مخطئا أيها الإخوة لو قلت إن هذا الوصف ينطبق علينا أكثر مما ينطبق عليه ؟ ! , ربما وثب مزايد ليقول : لا يا أخي نحن مسلمون , ربما , إن الله -سبحانه وتعالى- ليس بينه وبين أحد من البشر قرابة شخصية , و ليس بينه و بين أحد من البسر ثأر, إنه رب العالمين , إن من سار على سنن الله وقوانينه التي أودعها هذا الكون يصل , ومن خالف فسوف يدفع الثمن  {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} , إن الله -جل جلاله- أخذ الميثاق على بني إسرائيل من ضمن مواثيق كثيرة قال لهم  {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ , ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ} , هذا خطاب لبني إسرائيل , فهل إذا فعل المسلمون ذلك , تكون لديهم حصانة حتى يخرجوا من حكم السنن الإلهية , لا , {ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } , يجب أن تعلم أن كل ما خوطب به الناس الأقدمون والأمم السابقة أنت مخاطب به , فيما يتعلق بالسنن الإلهية والقوانين التي أودعها الله هذا الكون {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} , إن الله –جل جلاله- وصف اليهود بأنهم قساة القلوب {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} , هذا القصص القرآني ليهذبنا أيها الإخوة, لنتجنب ما وقعت فيه الأمم السابقة من آثام ومن أخطاء , إن الله لا يحابي أحدا {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ}, اليوم يعيش هذا الكيان الغاصب لبلادنا من وجهة نظري العصر الذهبي له , ربما خالفهم البعض في ذلك , قال: لا نحن الذين نعيش العصر الذهبي -الجنون فنون- ربما جاء من يقول لك : لا نحن الذين نعيش العصر الذهبي , عش يا أخي هذا العصر الذهبي , والله لا أدري أنا أين أصنف العصر الذي يعيش فيه العرب والمسلمون , ذهبي , أم خشبي , أم حجري !! , أما الكيان الذي يمضي في تحقيق أهدافه , فيما خصومه وأعداءه مشتغلون إما بقتل بعضهم , وإما بتفجير بعضهم , وإما  بمكاسب هنا وهناك و إما بالشعارات , ما الذي يجري ؟ إن الله –جل جلاله- يقول وهو يتكلم عن الجهاد الشامل للمسلمين {وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ } , أسألكم بالله العظيم ؟ ما فيه المسلمون اليوم يغيض الكفار؟؟  إننا لا نسرُ صديقا ولا نغيض عدوا , إننا قساة على بعضنا البعض , نحقق أعظم الانتصارات فيما بيننا ,  نريد الانتصارات في ميدانها الحقيقي .

  لقد تعرضنا لحرب شرسة ومدمرة بكل المقاييس , لم ير آباؤنا وأجدادنا مثلها , حرب استمرت زهاء شهر  , سمعنا كلاما كثيرا من هنا وهناك , لكن على الأرض حدث شيء ؟  أيها الإخوة ,  بقينا وحدنا نتحمل هذه الحمم من البر والبحر والجو , ضاقت بنا الأرض بما رحبت , حتى إن الكثير منا لم يجد ملجأ له , أين نفر ؟ فررنا إلى الله والدعاء والالتجاء إليه , حتى أصاب الكثير منا الخجل أمام زوجته وأمام أبناءه و أطفاله , وتركنا وحدنا , وسمعنا كلاما من هنا وهناك , استطاع العدو أن يكرس التفرقة بين العرب والمسلمين , حتى لو هب مسلم لنجدة أخيه المسلم , لاعتبر ذلك في العرف الدولي الذي كرسه العدو تدخلا أجنبيا , لو هب مسلما لينصر أخاه قيل له قف! , قف عند حدك !, من أنت؟ هذا تدخل في غير شئونك! كن محصورا في دائرتك فقط! هذا العرف الدولي الذي يناقض أخوة الإسلام , ويناقض عقيدة الإسلام , من الذي كرسه وأقره ؟خبث أعدائنا وضعف جبهتنا وهواننا , إن النزاع يوهن قوتنا -أيها الإخوة - , يضعفنا , يرهق أرواحنا وقلوبنا وعقولنا , والزعماء لا يرحمون طالما تحققت مصالحهم , فلا شان لهم في هذه الرعية المنكوبة , المؤسف أيضا -وأنا أسأل الله أن يجعلني ناصحا أمينا لهذا الشعب المكلوم والمظلوم-  أن الله –جل جلاله- يقول عن الكافرين والمنافقين( يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُم) تذكرت هذا وأنا أرى الكثير من أبناء أمتي , يغتر بالخطاب الناعم للقوة الكبرى في العالم ولرئيسها , يغتر بهذا ويظن أنه ربما ينبثق عنه خير , وهذا يخالف الرؤية القرآنية , يرضونكم بأفواههم , لم أجد مثالا ينطبق على هذا الموقف الأمريكي في علاقاته بحلفائه أكثر من قول الله تعالى {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } , هذا الذي حدث في إيران قبل الثورة , وهذا الذي حدث في العراق , وهذا الذي حدث في أفغانستان , أن أمريكا ربما تحدثت حديثا ناعما معسولا , وربما تحلى بريق بعضنا , ظنا أن هذا الخطاب فيه مصلحة , إنني اذكر جميع القوى السياسية دينية كانت أو وطنية , بأن لا يركنوا لهؤلاء الناس , وأن يستمعوا قول الله تعالى جيدا (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّار ) , عودوا إلى شعوبكم ووحدوا جبهتكم الداخلية ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ ) , أما أن تذهبوا إلى صاحب الخطاب الناعم والقلب المتأجج كراهية لكم وتآمرا عليكم , وأنتم متفرقون , أين قوتكم ؟ إن قوتكم في إتباعكم لدينكم , إن قوتكم في التفافكم حول هذا القرآن,  إن قوتكم في وحدتكم (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) , هذه الغاية التي حددها القرآن الكريم لهؤلاء (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ) .

 أيها الإخوة الأحباب هل عدمنا القدرة على حل نزاعاتنا ؟ هل عدمنا القدرة على تحقيق الوحدة فيما بيننا؟ هل سألتم أنفسكم أيها الأعزاء , لماذا فشلنا في تحقيق الوحدة العربية ؟ وفشلنا في تحقيق الوحدة الإسلامية ؟ واسألوا الكبار منكم , منذ فتحنا أعيننا ونحن نسمع الحديث تلو الحديث عن الوحدة , الزعيم الحقيقي يتكلم عن الوحدة , الزعيم المزيف يتكلم عن الوحدة , الزعيم العلماني يتكلم عن الوحدة , الزعيم المتدين يتكلم عن الوحدة , الكل يقول الوحدة الوحدة , نريد الوحدة , فلماذا لم تتحقق هذه الوحدة ؟ لأمرين اثنين بإيجاز شديد , -وإلا فالأمر يحتاج إلى حديث مفصل وطويل-   الأمر الأول : الحظوظ النفسية , هو يريد الوحدة , لكنها الوحدة المرتبطة بمصالحه , إذا ارتطمت الوحدة بمصلحته فإنه لا يريدها,  السبب الثاني: غياب الدراسة الموضوعية لأسباب ما نحن فيه من فرقة وتجزئة , هناك أسباب نفسية وعقلية واجتماعية وتاريخية نرحلها معنا قرنا فقرنا , أسباب تاريخية عفا عليها الزمن , لكننا نعيدها جذعة نحيها , كالتعصب المذهبي والعرقي وما شابه ذلك , الحظوظ النفسية -أيها الإخوة- , وعدم دراسة الأسباب الموضوعية , إننا مدعون مثقفين وعلماء ورجال دين , مدعوون لدراسة أسباب الفرقة , هذه الثغرات التي بيننا , ما أسبابها؟ لماذا لا نكرس ثقافة الحوار ؟ لماذا ؟ أنا أرى في دوائر كثيرة في مجتمعنا , أن أغلب الناس لا يعرفون الحوار , وأن علاقاتهم فيما بينهم مبنية إما على المجاملة , وإما على الصراع , إما أن نكون أصحابا وأصدقاء ثم نتحاور بجدية , ويقدم كل منا بين يدي قضيته الأدلة والبراهين,  بعيدا عن الإرهاب و التهديد وعن التكفير و التخوين , التكفير مصيبة - أيها الإخوة - , أنا أعرف أن تطورات اجتماعية وثقافية معينة أورثتنا عقليات جامدة لا عمل لها إلا التكفير أو التحريم أو التخوين بنية التحريم , كل شيء حرام , إنهم اعترضوا على الأستاذ الفاضل - الشيخ القرضاوي-  لأنه وضع كتابا باسم " الحلال والحرام " فتبين بعد أن درسوه أن الحلال فيه أكثر من الحرام فغضبوا غضبا شديدا , وقالوا: كان عليه أن يسمي كتابه "الحلال والحلال " هذا لا يعرف الحرام في الإسلام , إن تقديم الإسلام كما لو كان قائمة محرمات وممنوعات , هذا افتراء على الإسلام ,  الإسلام خلقنا على هذه الأرض , والأصل أن كل شيء مباح لنا إلا ما جاء الشرع بتحريمه , لابد أن ندرس الأسباب الموضوعية التي أدت إلى هذه الأحوال , والى هذه المعاناة التي نعانيها , الإسلام - أيها الإخوة الأعزاء - الإسلام هل هو ملك لفئة من الناس ؟ لا يستطيع  أحد أن يقول: إني أنا الناطق الوحيد باسم الله ورسوله , - وهذا من فضل الله علينا-  حتى يحترم كل منا نفسه ويعرف حدوده  {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } , لا كهنوت , لا طبقة رجال دين لدينا , الإسلام هذا أولى الناس به من يحسن فهمه , ومن يحسن تطبيقه , ومن يحسن عرضه , ليس هناك لا فرد ولا حكومة ولا شيخ يقول أنا الناطق باسم الإسلام , إنما أولى الناس بالإسلام من يحملونه كما أراد الله , إن أحسنت فهمه وأحسنت تطبيقه وأحسنت عرضه , الادعاء لا قيمة له ما لم يكن هناك أدلة حقيقية , الإسلام هو الضمانة - أيها الإخوة - الإسلام كعقيدة وشريعة وأخلاق ونظام حياة, جربنا - أيها الإخوة- في غياب الإسلام أفكارا ومذاهب ونظما ,ماذا جلبت علينا؟ جلبت علينا الكفر والفقر والهزيمة , أما آن لنا أن نطرق باب الله , أم أننا سنكون كاللص الذي يسرق كل مرة , وفي كل مرة يقبض عليه , فبدل أن يتوب إلى الله , يبحث عن طرق أخرى , يسجن سنة ثم يخرج , ثم يقول : لا أنا سجنت لأني تسلقت المواسير فلأقفز هذه المرة من النوافذ مثلا,  لكنه لا يفكر في التوبة , هذا الذي حدث في عالمنا العربي والإسلامي , غاب الإسلام , غاب النظام الإسلامي بعد مشاكل داخلية وتحديات خارجية , وفرضت علينا أفكار ومذاهب ونظم أخرى , ذقنا في ظلها الويل والثبور وعظائم الأمور, هزمنا سياسيا وثقافيا واقتصاديا , أما آن لنا أن نأخذ الإسلام بقوة , أنا أعرف أن كثيرين من المنتمين للإسلام لا ينقصهم الإخلاص , لكن تنقصهم عمق التجربة والخبرة العقلية , وفهم العالم , فهم الواقع والتاريخ , يريد أن يسوق الناس للإسلام بالعصا , لا,  الإسلام يقوم على الإقناع الحر , وليس في إسلامنا وديننا ما نخجل منه , أو ما نتردد في طرحه على الناس , أيضا لابد أن نعرف وأن يعرف الدعاة المسلمون والمنتمون للإسلام , أن الإسلام هذا جاء للناس , و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض , جاء لربطهم بالله , جاء لتعريفهم بحقيقة هذا الكون , ولماذا و لأين يسير هذا الكون؟  أعجبني أن أحد المفكرين المسلمين والدعاة الكبار الأستاذ المرحوم- خالد محمد خالد-  أنه فكر في تأسيس جمعية اسمها " الدين في خدمة الشعب " وكان في هذا يرد على أولئك المتعصبين والمتطرفين الذين يريدون أن يسوقوا الناس إلى الإسلام بالعصا, الدين في خدمة الشعب , وأخرج كتابا أتمنى لو بحثتم عنه وقرأتموه,  اسمه "الدين للشعب " , الحكومة الإسلامية للشعب , الخلفاء في خدمة الشعب , أبو بكر الصديق - رضوان الله عليه- عندما ولي الخلافة -مارس  تسلطا و استعلاء للناس واستعبادا لهم-  لا,  الرجل الكبير -الصديق رضوان الله عليه- في بيانه الأول قال
: " وليت عليكم ولست بخيركم  (الحكم ليس امتيازا, المشكلة الأزلية في عقولنا وأنا أناشد إخواني المثقفين والعلماء رجال الدين والدعاة الكبار , ألا يغرقوا في المسائل الحزبية والولاءات الشخصية , أن يشرحوا للناس حقائق هذا الدين , حقائق هذا الإسلام ), إني وليت عليكم ولست بخيركم , إن أحسنت فأعينوني وإن أسئت فقوموني " , عمر ابن الخطاب كان يوزع بعض المساعدات على الناس , فجاء من بعيد "سعد ابن أبي وقاص " -وهو من أخوال النبي , وهو بطل القادسية , ومن العشرة المبشرين بالجنة - جاء يزاحم الناس ليأخذ من هذه المساعدات , فتناول الدرة العصا عمر ابن الخطاب وضربه على ظهره وهو يقول : يا سعد أغرك أن يقال خال رسول الله , يا سعد:  جئت لا تهاب سلطان الله ,  فأحببت أن أعلمك أن سلطان الله لا يهابك , القضية يا أحبابنا يا إخواننا , ليست في الصوت الحسن لتلاوة القرآن , وليست في الصلاة جماعة أو منفردا , هذه مسائل فرائض لابد منها , لكن متى يمتحن دينك ؟ ومتى يمتحن تدينك ؟ عندما يقف أمامك رجلان , أحدهما من شيعتك وحزبك , والآخر يخالفك , كيف تتعامل مع هؤلاء ؟ على قدم المساواة . إن عمر ابن الخطاب لما وضع أسس القانون قال: " آسي بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك "  , اللهم إنا نسألك سلامة القلب ,و صحة الهدف , و يقظة العقل و الضمير ,  أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية:

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

 ينبغي أن نتعلم الإسلام , وأن يكون الإسلام أغلى علينا من حياتنا ومن أبائنا وأمهاتنا , يجب أن يكون الإسلام هو كل شيء في حياتنا , لأنه هو الضمانة لنا في الدنيا والآخرة  أيها الإخوة, لا تشغل نفسك في هذه المرحلة العصيبة بمال ولا بمنصب أو جاه , حقوقنا تهدر أيها الإخوة , والمؤامرة تتسع علينا , ونحن كالمرأة الحمقاء التي تشعل النيران في ثيابها ,  وتظن أنها تسعى على أولادها , نحن في خطر - أيها الناس -, الملجأ: الإسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة . الإسلام من خصائصه : أنه لا يعرف الحقد , ولا يعرف الانتقام الشخصي , ولا يعرف ما يسمى لدينا بتصفية الحسابات , لا ,  إنما كما قال العربي الجاهلي يقول : إنه عند الشدائد تذهب الأحقاد ,  والآخر يقول :                                                              ولا أحمل الحقد القديم عليهم                    وليس رئيس القوم من يحمل الحقد

   من مؤهلات الزعامة , ولذلك تجد أن الإسلام كرس منطق العفو , ومنطق الصفح , في آخر سورة الحجر ,  يربط القرآن الكريم ربطا عجيبا بين الصفح وبين حتمية مجيء الساعة , ليقول لك إنك ستموت , خفف من أحقادك , إنك ستدخل القبر وحدك , خفف من أحقادك , إنك ستقف بين يدي الله , خفف من أحقادك (وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) , لماذا ربط بين الصفح الجميل والساعة ؟ لتعرف تفاهة هذه الحياة وما فيها , حتى مع الأعداء المخالفين  {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ , وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاء قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ, فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } , هل جربت يا أخي أن تدفع السيئة بالحسنة , ثم رأيت نتائجها , ألا يقول الله تعالى : يا أهل القران  اجعلوا القرآن نبراسكم , يا أهل القرآن اجعلوا الآخرة وجهتكم , لا تفكر في الدنيا أو فكر فيها قدر ما تفكر في الآخرة , جرب هذ التوازن بقدر ما تفكر في الدنيا , فكر في الآخرة  {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }, هل جربت يا أخي أن دفعت السيئة بالحسنة , ثم رأيت النتيجة {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } , القرآن حتى لا يقطع الأمل حتى مع عدوك و أنت تعاديه و أنت تخاصمه {عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } , {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً } , الإسلام يكرس العفو المصالحة (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) , لماذا؟  تحمل أخاك , إذا عز أخاك فهن , لا نكون كما قال احدهم:

 سريع إلى ابن العم يلطم خده              وليس إلى داع الندى بسريع

   إذا دعته مواضع الكرم والجود والنجدة , إنه يسير إليها بخطى بطيئة أو لا يسير إليها , لكن إن كانت المشكلة بينه وبين ابن عمه سارع للطم خده , سريع إلى ابن العم يلطم خده              وليس إلى داع الندى بسريع

 هذا هو الإسلام, هذا هو القرآن ,  اسمع هذه الآيات العظيمة التي ترسم لوحة جميلة ورائعة للمجتمع الإسلامي , اسمعها يا أخي وتأملها,  حتى تعرف أين نحن ؟ أين الثرى من الثريا ؟ -كما يقولون-  {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } , التدين عملية عقلية , لأصحاب العقول هم الذي يميزون الأمور , من يعلم أن ما جاء به النبي هو الحق , هناك فرق كبير بينه وبين الأعمى الضرير فكريا وثقافيا  {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ , وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ , وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ } , في ثقافتنا الإسلامية : أن توجيهات الإسلام مرتبطة بوجه الله , بسبيل الله , بمرضاة الله , ليست هناك توجيهات إسلامية مرتبطة بالدوران حول النفس والمكاسب الشخصية و الحزبية {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ, جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ , سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} , أرأيتم هذه اللوحة الرائعة والجميلة , هذا هو المجتمع الإسلامي , عد إلى سورة الرعد واقرأ هذه الآيات وانظر في نفسك وانظر فيمن حولك , أنا أخاطب إخوتي المتنازعين والمختلفين هنا وفي كل مكان , أذكرهم بأن القوى والحركات الحرة لا تكون عبئا على شعوبها , فأنا أقول : لا تكونوا عبئا على شعوبكم , كونوا خدما لهذه الشعوب , وحدوا صفوفكم , اتقوا الله في شعوبكم , وراجعوا أنفسكم , أين أخطأتم ؟ وأين أصبتم ؟ إن شعبنا المكلوم والمظلوم والمحروم و المحروب يتطلع إلى حياة أفضل أيها الإخوة, ليس المزيد من سفك الدماء , ولا أتكلم الآن من المسئول , لا أريد أن أستبق لجان التحقيق - كما يقولون- لكننا لسنا بحاجة إلى الدماء فيما بيننا , لسنا بحاجة ,  إننا نتطلع إلى حياة أفضل , نتطلع إلى إنهاء هذا الخصام , والى الحرية والاستقلال , إن كل مواطن على وجه الأرض يضع جوازه في جيبه , ثم يطير حيث أراد , ما عدا هذا الفلسطيني الذي يعذب ويلقى شتى ألوان المعاناة في المطارات والمعابر , ويقرأ كل ما يحفظ من المعوذات والرقى وسور مباركة , حتى يحول الله بينه وبين زبانية المعابر والمطارات , هل أنتم تريدون له عذابا فوق عذاب , وهلاكا فوق هلاك؟ إن رمضان يطرق الأبواب -أيها الإخوة- رمضان شهر التقوى , وشهر التوبة , وشهر العبادة , وشهر الوحدة , وشهر التغيير , وشهر الانتصار , هل قلت ما أريد ؟!!! لا أدري , لكن الحديث يطول!!! .

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.