بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
القاعدة التي يقوم عليها المجتمع المسلم , هي أخوة الإيمان, فالله تعالى يقول (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) فلا يقوم المجتمع الإسلامي على أساس عنصري , أو على أي أساس آخر غير مبدأ الإسلام , الإسلام هو الذي يجمع الناس , وأخوة العقيدة هي الأخوة التي يعترف بها الدين , والتي تتعلق بمصير الإنسان بين يدي ربه , ولذلك كان نداء القرآن (يا أيها الذين امنوا) ونحن يوم الجمعة نخاطب الناس بهذا الخطاب الإيماني.
الأخوة الإيمانية لها مقتضيات, من مقتضياتها أن تقوم العلاقات بين المسلمين في مجتمعهم على العفو والتسامح و التجاوز, ولا تقوم على التشدد وعلى المغالاة وعلى الاستقصاء في نيل الحقوق , ولا على الشح الذي أصبح متبعا في أكثر من ناحية من نواحي المجتمع , أصبح الشح مطاعا , و الهوى متبعا , فلا بد أن يعفو بعضنا عن بعض , وأن يسامح بعضنا بعضا , يقيل بعضنا عثرة بعض , ويعفو بعضنا عن بعض , فالعرب تقول :" ما استقصى كريم قط " , معنى ذلك: الإنسان الكريم عفو بطبعه لا يستقصي في حقه إلى النهايات التي يتخيلها , وإنما يعفو ويسامح , يعفو القوي عن الضعيف , يعفو الغني عن الفقير , يعفو الدائن عن المدين , يعفو صاحب الحق عن من لزمه الحق , العفو هو مقتضى إخوة الإيمان, هو الأساس في التعامل, العفو والتسامح هو الأساس في التعامل في المجتمع الإسلامي, وأعظم ما يكون العفو, عندما يكون عن مقدرة ,عندما يثبت حقك على فلان ثم تسقط هذا الحق , يثبت أن لك عند فلان حقا ثم تسقط حقك طواعية, وعن مقدرة , هذه درجة من الإيمان عالية, ودرجة رفيعة , هل ثبت لك حق فأسقطته؟ هل عفوت عن مال , عن دم؟ هل سامحت ؟ هل غضضت الطرف عن غفوة ؟ العفو أيها الإخوة الذي رغب فيه الإسلام , وعندما تكلم عن ما وعده الله تعالى للمتقين , من جنات عرضها السماوات والأرض , ذكر العافين عن الناس , فقال (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ , الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ولذلك جاء بالحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم - :" أنه قال إذا كان يوم القيامة , نادى مناد من قبل الله , أين العافون عن الناس ؟ (من عفا عن الهفوات ,من أقال العثرات , من تجاوز عن حقه بعد أن ثبت له , من سامح أخاه ) هلموا إلى ربكم فخذوا أجوركم , فحق لكل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة " هكذا يرغبنا القرآن وترغبنا سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في العفو والتسامح , في الدماء, في حوادث السيارات , في قضايا المال , الشح لعنة , معنى الشح : الحرص والتشدد والاستقصاء , المغالاة, كن هينا على أخيك, (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ,إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً) ما هذا التعقيب؟ (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً) وكما تحب أن يعفو الله عنك , فاعف أنت , ليكن لك حظ من اسم الله العفو , إن الله يعفو عن السيئات ويغفر ذنوب عباده ويتجاوز عن سيئاتهم (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً), في إشارة إلى أن القادرين من الناس , عليهم أن يعفو عن ضعفاء من وقعوا تحت أيديهم , اعف يا أخي يعفو الله عنك , وقال- صلى الله عليه وسلم - :" ما زاد الله بعبد إذا عفا إلا عزا " إياك أن تحس أن العفو فيه هضم لكرامتك أو فيه تقليل من قيمتك , إن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:" إن العبد إذا عفا زاده الله عزا" , خذ مثلا دوائر تحدث الله عنها, وعن فضيلة العفو وعن خلق العفو فيها, خذ مثلا الدين, يقول الله تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) إن كان المدين معسرا هذا مجال كبير لك , أن تطرق بعفوك عن أخيك المعسر باب الجنة , وهل هناك جزاء أعظم من الجنة؟ أيها الإخوة, ماذا ستفعل في هذا المال في هذه الحياة الدنيا ؟ إن المال كما قال حاتم الطائي غاد ورائح, لكن الشيء المهم المصير عند الله تعالى قال -صلى الله عليه وسلم - وهو يرغبنا في التفريج عن كروب الناس , وفي تيسير حياة المعسرين ليس التضييق والتشديد والشح, يقول: " كان رجل يداين الناس , فكان يقول لفتاه إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه, لعل الله يتجاوز عنا, فلقي الله فتجاوز الله عنه" , الجزاء من جنس العمل وفيما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه قال- صلى الله عليه وسلم – " من أنضر معسرا ( زاد في مهلته و مدته ) أو وضع(تجاوز عنه و سامحه ) عنه أظله الله في ظله يوم القيامة" الشح رذيلة نفسية , العفو فضيلة , هي التي تنشئ العلاقات المتينة بين أفراد المجتمع الواحد , النبي- صلى الله عليه وسلم- عد الشح المطاع البخل الأنانية الكزازة عدها من المهلكات الثلاثة التي تنذر المجتمع بالهلاك , يقول الله تعالى ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) الإسلام يعطيك الحق أن أسيء إليك بغير حق أن ترد الإساءة بالإساءة , لكنه يلوح إليك بمقام أعلى, يلوح إليك بدرجة أسمى , يشير إلى أفق عال من الأخلاق , (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) هل تأخذ حقك في الدنيا فتسيء لمن أساء إليك ؟ ثم لا يكون لك حظ عند الله تعالى يوم القيامة؟ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول :" إذا كان يوم القيامة , نادى مناد ألا فليقم من كان أجره على الله, فلا يقوم إلا من عفا" , في سياق المناكفات السياسية التي تحدث في بلادنا قال أحدهم : " إذا قدم الفريق الآخر حسنة نكافئه بحسنة وإذا قدم بسيئة نكافئه بسيئة مثلها" , لا شيء في ذلك لكن رد عليه آخر من الفريق الآخر قال : " وأنتم إذا قدمتم حسنة قدمنا لكم حسنة, وإن قدمتم سيئة قدمنا لكم عشر أمثالها " ما هذا المنطق ؟ ألسنا إخوة في الدين ؟ ألسنا إخوة في الوطن ؟ إن لم نكن إخوة في الدين والوطن؟!! ألسنا إخوة في الهم والمصيبة ؟ السكين على أعناقنا جميعا أيها الإخوة .
من الدوائر التي يجب العفو فيها القضايا التي تحدث بين العائلات , فيما يتعلق بالمهور وبحقوق النساء , يقول الله تعالى عن النساء ( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً(اذا طلقت المرأة قبل الدخول فلها نصف المهر ) فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أن تعفو المرأة عن نصيبها فيأخذ الزوج المهر كله , أو أن يعفو الزوج فتأخذ المرأة المهر كله , أن تأخذ نصيبها ونصيبه أيضا , لاحظ يا أخي كيف يتحدث القرآن؟ وكيف يتحدث الأشحاء الحريصون و البخلاء؟ أسرى منطق الكزازة,( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) الفضل هو الإحساس والتواضع , لابد أن تأخذ حقك كاملا من أخيك , سواء أكان قادرا أم لم يكن , أخرج الإمام ابن كثير - في تفسيره وهو يعقب على هذه الآية – أخرج حديثا للنبي -صلى الله عليه وسلم - يقول فيه :ليأتين على الناس زمان عضوض ( أي شديد) يعض فيه المؤمن على ما في يديه, (يروج البخل والشح وعدم التسامح) ليأتين على الناس زمان عضوض يعض فيه المؤمن على ما في يديه وينسى الفضل وقد قال الله تعالى (ولا تنسوا الفضل بينكم ) شرار يبيعون أو يبايعون كل مضطر,( لأهم لهم إلا المال , فان سمعوا عن مضطر محتاج يريد بيع بيته , هرعوا إليه , هذه فرصة للربح) وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم -عن بيع المضطر , وعن بيع الغرر, فان كان عندك خير فعد به على أخيك ولا تزده هلاكا إلى هلاكه, فان المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه " , يأتي زمان أن يستغل بعضنا بعضا, أن تستغل حاجة هذا المضطر فتشتري حاجته بثمن أقل من الثمن الحقيقي وكما قال -صلى الله عليه وسلم - فتزيده هلاكا إلى هلاكه , فيذكرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم -فان كان عندك خير فعد به على أخيك فان المسلم اخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه , لا تكن سببا في إدخال الحزن على قلب أخيك , كن سببا في إدخال السرور .
من دوائر العفو المهمة جدا ما ذكره القرآن وهو يخاطب الرسول -صلى الله عليه وسلم- (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) هذه الدائرة تحدثنا عن ضرورة عفو القائد بالنسبة للمحكومين , أن يعفو الغني عن الفقير, أن يعفو القوي عن الضعيف , أن يعفو الدائن عن المدين ,أن يعفو الحاكم عن المحكوم, النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول : " اللهم من ولي من أمور أمتي شيئا فرفق بهم فأرفق به , ومن ولي من أمور أمتي شيئا فشق عليهم فأشقق عليه" يحكى في كتب التاريخ والأدب أن الخليفة العباسي _المأمون _ من شرفة قصر فرأى رجل بيده فحمة وهو يكتب على القصر , فأمر بعض خدمه أن يذهب إلى الرجل فينظر ماذا كتب؟ ثم يقبض عليه , فذهب الخادم مسرعا , ثم جاء إلى الرجل فوجده قد كتب بيتا من الشعر بالفحمة على قصر الحاكم, قال له ماذا تفعل؟ قال كتبت هذا البيت قرأ الخادم بيت الشعر وإذا يقول
يا قصر جمع فيك الشؤم واللوم متى يعشش في أركانك البوم
يدعو على قصر الحاكم بالخراب , طبعا لا يحلم أو يفكر أحد منا أن يقترب من قصر الحاكم فضلا على أن نكتب عليه, متى يعشش البوم في أركان مكان ما؟ سنة الله في خلقه إن كان هناك ظلم , يقول تعالى (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) ويقول جل جلاله (وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ , فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ) فكان يحس هذا الرجل بالظلم , وكان يتوقع أن يعشش البوم حقيقة في أركان هذا القصر, الشؤم واللؤم معروف ,
يا قصر جمع فيك الشؤم واللوم متى يعشش في أركانك البوم
فنظر إليه الخادم وقال له: أجب أمير المؤمنين , هيا معي, فقال له: سألتك بالله لا تذهب بي إليه (رعب يملأ قلوب الفقراء ) , فقال له الخادم لابد, فلما مكث في يد المأمون قال له المأمون بعد أن علم ماذا كتب قال له : ويحك ماذا حملك على هذا؟ قال يا أمير المؤمنين: إنه لا يخفى عليك ما حواه قصرك هذا من خزائن الأموال, ومن الحلي والحلل ومن الطعام والشراب والأواني والأمتعة والجواري والخدم وغير ذلك مما يقصر عنه وصفي و يعجز عنه فهمي, وإني قد مررت به الآن وأنا في غاية الجوع والفاقة, فوقفت مفكرا في أمريء , وقلت في نفسي هذا القصر عامر عالي , وأنا جائع , لا فائدة لي منه فلو كان خرابا ومررت به لا أعدم رخامة أو خشبة أو مسمارا أبيعه و أتقوت به , يا أمير المؤمنين ألا بلغك كما قال الشاعر قال ماذا قال؟ , قال الشاعر
إذا لم يكن للمرئ في دولة امرئ نصيب ولا حظ تمنى زوالها
وما ذاك عن بغض لهم غير انه يرجى سواها فهو يهوى انتقالها
متى ينتمي الإنسان فينا للحاكم والحكومة , عندما ينال حقه , لكن عندما يفقد حقه و يظلم لا يحس بانتماء , لكن الحاكم الذي كان قريب عهد بالإسلام عفا عنه , وبالمناسبة بعض الغربيين وأتباع الغربيين يتهم الإسلام بأنه حكم فردي ,لا يعرف حرية الفكر والرأي , لكننا إذا عدنا إلى تاريخنا نجد أن هذا الكلام كلام غير صحيح , فالمأمون على ما كان في عصره من هفوات إلا انه استمع للرجل , وقد كتب على حائط قصره يا قصر جمع فيك الشؤم واللوم متى يعشش في أركانك البوم
وناقشه وعندما استمع إليه , قال لخادمه أعطيه ألف درهم , عفا عنه , العفو عند المقدرة , ثم نظر للرجل وقال له هذا لك كل سنة مادام قصرنا هذا عامرا بأهله مسرورا بدولتنا , نسأل الله أن يهدينا لأحسن الأخلاق , أن يطهر جبهتنا الداخلية من الشح و التعصب و المغالاة و أن يضع في قلوبنا العفو و التسامح و المحبة و الألفة.
وأقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية :
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
فيقول الشاعر أيضا :
ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه
معنى هذا الكلام أن الجاهل قد يمكن عدوه منه وهو لا يدري , الشر الذي يكون في المجتمع أو في جبهتهم الداخلية ,يحقق للعدو ما لا يحلم به , ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه , هذا والله ينطبق على عالمنا العربي والإسلامي ونحن جزء منه , ما حققه العدو من جراء نزاعاتنا وخلافاتنا وجهلنا وتخلفنا , ربما أكثر مما كان يتوقع , العالم العربي والعالم الإسلامي ونحن جزء منه , أنا أراه كالرجل الذي ضرب في رأسه فدخل في غيبوبة , هناك من أسكرته السلطة وهناك من أسكرته الثروة وهناك من أسكرته السلطة والثروة معا, سكارى وما هم بسكارى و لكن الضلال شديد ,أسكرتهم السلطات وأسكرتهم الثروات والشهوات , وفي المقابل اليهود ماضون في تنفيذ مخططاتهم قدما , لا يلوون على شيء , هل تعيق مخططات اليهود الشعارات الفارغة من مضمونها ؟ هل تعيق مخططات اليهود لإحكام السيطرة على بيت المقدس وعلى فلسطين كلها؟ أقوال لا تصدقها الأفعال, (كبر مقتا أن تقولوا ) اليهود ماضون في مخططاتهم , ونحن في غيبوبتنا في نزاعاتنا في خلافاتنا في همومنا الذاتية أو في سكرتنا أو غفلتنا, العرب يذكرون في أمثالهم مثل يقول:" أوسعته سبا وأودى بالإبل " وهذه قصة راع أحمق كان يرعى الإبل لأمه فترك الإبل ونام , ولما استيقظ وجد لصا يربط الإبل ويسوقها , فبقي في مكانه وهو يقول ابلي دع هذه الإبل, إن هذه الإبل ابلي, لكن اللص مضى في طريق لا يأبه به , فلما عاد هذا الراعي الأحمق إلى أمه سألته أين الإبل فقال لها أوسعته سبا وأودى بالإبل , لم أترك شتيمة شتمته إياها لكن الإبل ضاعت, كثيرا ما أقول هذه حالنا في ظل الشعارات الكاذبة والأقوال المنافقة.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.