بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:

 

لقاء الجمعة لقاء مهم , فصلاة الجمعة كما أكد ذلك القران الكريم هي مجلس ذكر كبير لله رب العالمين ,( إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) , فنحن في مجلس ذكر كبير لله رب العالمين , وعلى ذلك فينبغي أن نأتي ونحن متيقنون ومستعدون, لا ينبغي أن نكون ما قال الله تعالى عن بعض النماذج  {وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ }, هذا يوم للذكر والتذكر والتذكير , هذا يوم نعلن فيه ولاءنا وانتماءنا للثقافة الإسلامية , وأصبح هذا اللقاء الأسبوعي, ربما اللقاء الوحيد الذي يذكر فيه بالإسلام, ونمتن فيه علاقتنا بهويتنا وتاريخنا, فهذا يوم مهم , فعلينا أن نستعد له , وأن نأتي ونحن متيقظون, وأن نستعيذ بالله من العجز والكسل , ليس شيئا كبيرا أن نلتقي لمدة ساعة أو أقل قليلا في كل أسبوع , لنتدارس ديننا , لنعرف أين نحن من ثقافتنا الإسلامية ؟ ومن هويتنا الحضارية ؟هذا يوم للذكر والتذكر والتذكير والثقافة .

على كل حال , مما يلاحظ على المسلمين غياب الروح النقدية لديهم - لا يحبون النقد - من ينقدهم فهو عدو له , وإنما يحبون المديح التام , وإذا كانوا في السلطة والحكم – مثلا- فإنهم يحبون التملق والمجاملة والنفاق أيضا يعجبهم !, ومرجع هذا لما تتلبس به النفس من غرور, والغرور حالة من العمى تحول بينك وبين أن ترى عيوبك , ولذلك لا نتحمل النقد ولا نتحمل أن يذكرنا أحد بأخطائنا , نحب المديح , نتهرب من المسئولية , ونحمل مسئولية أخطائنا إلى الآخرين , دائما نبحث عن شماعة تارة , هذه الشماعة تكون الشيطان , وتارة تكون الاستعمار , وتارة تكون الظروف , والشيطان كما حدثنا الله تعالى في القرآن يوم القيامة يتبرأ من اتهاماتنا له  {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} , دائما نبحث عن شماعة لأخطائنا , لا , نحن منزهون هناك ميل و نزوع لتبرئة النفس بشكل كبير, مع أن منهج القرآن يتمثل في إدانة النفس أو في هضم النفس ومحاسبتها, على لسان المرأة يقول الله تعالى (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ) لماذا تبرأ نفسك أنت ؟ لماذا تبحث عن شماعة تعلق عليها أخطائك ؟ اعترف بأخطائك حتى تستطيع ان تتواصل وأن تتطور , يقول أحد العلماء الكبار:" إن الشعوب التي لا تبصر بعيونها , لسوف تحتاج هذه العيون لتبكي بها طويلا " , الغرور, حب المدح , الخوف من النقد , التهرب من المسئولية , تحميل أخطاءنا للآخرين , تبرئة أنفسنا, حالة من العمى , إن الشعوب التي لا تبصر بعيونها , التي تعطل وسائل المعرفة  والبحث , لسوف تحتاج إلى هذه العيون لتبكي بها طويلا , وعندئذ يكون البكاء بعد فوات الأوان , ماذا ينفع البكاء؟ وماذا ينفع لطم الخدود وشق الجيوب ؟ بعد أن يفوت الأوان .

أحد الزعماء السياسيين المشاهير يقول :" كل القوى والأحزاب الثورية التي أخفقت -أي فشلت - , أخفقت لأنها تلبست بالغرور , ولأنها كانت تخاف من الحديث عن نقاط ضعفها " , وهذا كلام صحيح , إذا أردت أن تنجح لابد أن تتحرر من الغرور , لأن الغرور يحول بينك وبين محاسبة نفسك , يحول بينك وبين أن ترجع البصر في نفسك كرتين , أين أخطأت؟ لماذا أخطأت ؟ أين أصبت ؟ وكذلك عندما نخاف أن نتحدث عن نقاط ضعفنا ,  تتنامى هذه النقاط , ولذلك إذا أردنا النجاح فلابد أن نتحرر من الغرور والعجب بالذات , لابد أن نؤسس للنقد الذاتي  , لابد أن تكون لدينا القوة التي تمكننا من الحديث عن نقاط ضعفنا تأمل قول الله تعالى {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ } , كل هذا الضلال بسبب التكبر , سبيل الغي , (وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ)  هو الضلال الفكري  , لا نريد أن نكون من المكذبين لآيات الله وسننه , لا نكون من الغافلين , الشعوب التي تريد أن تبني نفسها وأن تنجح في حياتها وتحقق أهدافها  , لابد أن تكون شعوبا ذكية وأن تكون شعوبا متحركة وأن تكون شعوبا يقظة لا خاملة مستسلمة ونائمة و منافقة و تدافع عن موقفها بالحق أو الباطل.

 قصة آدم و إبليس في القرآن الكريم تكررت كثيرا , وربما كان سبب هذا التكرار ليملكنا القرآن منهج النقد ومراجعة الذات وإدانة النفس عندما تخطئ , منهج هضم النفس وليس الإحساس المتضخم بالنفس وبالذات , ولذلك يقص القرآن الكريم علينا أن آدم عندما شعر بخطئه , قالا أدم و حواء ربنا ظلمنا أنفسنا اعترف بخطئه  {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } , في الجانب الآخر هناك شخصية عجيبة جدا , هذه مناهج لنا يقصها القرآن علينا حتى نعرف أي طريق سنسلك ؟ , طريق الاعتراف بالخطأ والتطور والنماء والتقدم  و ترويج ثقافة النقد ومحاسبة النفس , أم إننا سنبقى نعيش صورة الذات المتضخم وتبرئة النفس  حتى نقع في الكارثة لا سمح الله , {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ,  أخطأ آدم واعترف بخطئه هذا نموذج له ولأهل الإيمان , لكن في الجهة المقابلة إبليس لم يعترف بالخطأ , ليس هذا فحسب , بل حاول أن يتهرب من مسئوليته وأن يسند الفعل الذي قام به الى غيره {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } , هنا تكمن العقدة المنطق العنصري , الله هو الذي خلقك وخلقه , أنا خير منه , لماذا؟ {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } الله هو الذي خلقك و خلقه , و ليس هناك تفاضل بين المخلوقات على أساس العنصر, {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ , قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ } , لاحظ دائما التكبر هو الحجاب الذي يحجب الرؤية عن الإنسان  {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ } ,لم يعترف إبليس بذنبه و حمل الجهة الأخرى مسئولية الذنب ,  إذا الذي يتكبر والذي لا يحاسب نفسه و لا ينقدها فهو لا يسير على نهج آدم في الاعتراف بخطئه والتوجه الى الله بالتوبة والرجوع  , وإنما يسير على خطى إبليس  {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ , ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } , ماذا نجد في منطق إبليس أيها الإخوة؟ نجد عدم الاعتراف , تحميل الأخر المسئولية ,الإصرار ,  وهذه هي ملامح كل منهج فيه غرور , أنا خير منه , لاحظوا أيها الأعزاء : الأدب السامي الذي يقدمه لنا الصديق - رضوان الله عليه - عندما وليّ أمر الأمة عندما أصبح الخليفة الأكبر بعد رسول الله - صلى الله عليه وسم -  ماذا قال للناس : " إني وليت عليكم ولست بخيركم,  (تواضع جم , هضم للنفس ) إني وليت عليكم ولست بخيركم " ما معنى هذا الكلام؟ معناه يريد أن يعلمنا أبو بكر الصديق -رضوان الله عليه -  أن الحكم ليس امتيازا وليس استعلاء , و ليس مغنما , و إنما الحكم وظيفة و مسئولية و خدمة عامة , هذا منهج آدم ومنهج أبو بكر الصديق ومنهج الأنبياء والصالحين , لكن منهج إبليس : أنا خير منه , ولقد قالها فيما بعد فرعون في مواجهة موسى  {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ } , لأهمية محاسبة النفس , لأهمية النقد , حتى يخرج المجتمع من حالة المستنقع الراقد , أقسم الله بالنفس اللوامة { لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ , وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } , ما هي النفس اللوامة ؟ الضمير الحي , النفس التي تلوم صاحبها , لقد علق الإمام البصري على هذه الآية وقال : " إن المؤمن والله لا تراه إلا يلوم نفسه , ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بحديث نفسي؟ أما الفاجر فإنه يمضي قدما لا يعاتب نفسه " , تنبهت يا أخي !! هل فهمت , الفرق بين المؤمن والفاجر في موقفه من تقييم نفسه ؟ المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه , ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بحديث نفسي؟ أما الفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه , ولذلك عندما تقرؤون القرآن أيها الإخوة الأعزاء , ماذا نجد؟ نجد أن القرآن الكريم في مواضع كثيرة يصوب سلوك المسلمين , أي ينقد سلوكهم ويصوبه , المجتمع الإسلامي في عصر الوحي يتنزل القرآن لينقد سلوكهم ويصوبه , ما الذي حدث في أحد وفي حنين وفي معركة بدر في المجال العسكري , القرآن لم يتستر على هزيمة المسلمين في أحد , لم يلق بالا للاعتبار الذي يقول لا,  إننا نخاف من شروع روح الهزيمة في الدائرة العسكرية, وفي الدائرة المدنية , المجتمع يحبط , الأعداء يوظفون هذ الموضوع و يستثمرونه ضدنا,  لم يقل القرآن الكريم ذلك, وإنما نزل الوحي يعلن الحقيقة كاملة {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} , بالله عليكم لو قلت لأحد الناس أنت تحب الدنيا , أنت لا تقصد وجه الله من وراء هذا الكلام مثلا , هل يقبل منك ذلك ؟ الله تعالى يخاطب خير القرون بهذا الكلام {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ},  {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا} , صدموا من الهزيمة , ليس المسئول خالد ابن الوليد الذي هزمكم يوم أن كان قائدا من قادة المشركين , أنتم المسئولون أولا وأخيرا , إذا هناك إعلان للحقيقة , لم يأبه الإسلام بالاعتبارات التي يحسب حسابها الناس عادة , لو قلنا أننا انهزمنا هذه يوظفها الأعداء يستغلونها الى آخر هذه الاعتبارات , المجتمع التي تروج فيه ثقافة النقد وتحمل النقد مجتمع حي متحرك , لكن المجتمع الذي لا يعرف هذه الثقافة مجتمع ميت , خذ في موضوع الأسرى في معركة بدر  {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ , لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } , عندما اختلف المسلمون حول الغنائم والأنفال في معركة بدر , نزل القرآن يصوب سلوك المسلمين وينتقدهم ويحدد لهم المسار {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } , اتقوا الله لا تفكروا في الغنائم هذا سلوك لا يليق بكم هذه مرحلة أداء الواجب , ليست مرحلة أخذ الحقوق , اسمع هذه القصة الرائعة التي لولا أنها نزلت في هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه, ربما توقفنا في تصديقها, تخيل يا أخي أن القرآن يتكلم عن براءة يهودي مظلوم في أكثر من صفحة في كتاب الله, مسلم منافق سرق درعا , وعندما كشف أمره ألقى الدرع في بيت يهودي , و أراد هذا المنافق -عديم الضمير- أن يستغل حالة العداء بين المسلمين واليهود ,و كل كلام عن اليهود مصدق , فألقى الدرع في بيت اليهودي عندما كشف أمره, وذهب إلى النبي هو وقومه يا رسول الله : إن إخواننا المسلمين يتهموننا ونحن أهل بيت مسلمون , حتى إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - همّ أن يقطع يد اليهودي وأخذ يعاتب أولئك الذين يقولون أن الذي سرقها هو فلان المسلم المنافق , بالمناسبة هذا الذي سرق هذا الدرع ارتد فيما بعد ومات مرتدا  في حروب الردة ,لكن الله تعالى أنزل القرآن أيضا ينتقد سلوك المسلمين ويصوبه  {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن للخائنين خَصِيماً , وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً , وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} , ان الإسلام مع المظلوم ولو كان كافرا , وضد الظالم ولو كان مسلما , هذا هو الإسلام وهذه حقيقة الإسلام أيها الناس , الإسلام ليس راية وليس يافطة نعلقها في الطرقات , هذا يهودي وحاول بعض المنافقين ميتي الضمير أن يلصقوا التهمة به, لم يرض القرآن بذلك , لم يرض النبي بذلك { وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً} لا تدافع عنهم , عن الخونة , ان كنت مخطئا فقل أنا مخطئ , هذه امة , هذا شعب , هذا دين , أنت مؤتمن عليه { وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيما  , يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً} ,ماذا يقول الناس , نتحمل هذا الموضوع سرا , لا يجوز يا أخي, هذا إسلامنا أيها الإخوة الذي نعرضه على الناس , ماذا نقول للعالم و نحن ندعوهم للعدالة و الحرية و الكرامة و الحقيقة , ليس بالإسلام مسائل سرية أو خطابات متعددة أو باطنية , خطاب في السر و خطاب في العلن {هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً , وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً , وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً , وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً , وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} , من المقصود بكلمة ( بريئا ) اليهودي المظلوم , اقرأوا القرآن اقرأوا مواقف الأنبياء والصالحين  , اقرأوا مواقف الطغاة و الفراعنة و قوم هود و ثمود , عندما نقرأ ذلك كله نجد أن الطغاة  و الفراعنة و في مقدمتهم إبليس هم الذين لا يعترفون بأخطائهم , و القرآن لا يريد أن يقول هؤلاء قدوتنا , و عندما نقرأ الأنبياء و الصالحين , حتى الملائكة( قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا) , تواضع , هناك منهجان في القرآن , منهج محاسبة النفس ونقد الذات , ومنهج تنزيه الذات والإحساس المتضخم بها , المنهج الأول منهج الأنبياء والصالحين من لدن ادم حتى سيدنا محمد –صلى الله عليه و سلم - , والمنهج الآخر منهج إبليس وفرعون وقارون , قولوا اللهم قونا نفسا وعقلا وروحا حتى نقوى على مواجهة عيوبنا , اللهم قونا نفسا وعقلا وروحا حتى نتجنب الغرور والعجب , اللهم قونا نفسا وعقلا وروحا حتى نقول للظالم أنت ظالم , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية :

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

 

 أيها الإخوة : منهج الإسلام في التغيير والإصلاح يقوم على أمرين , على إبطال الباطل , وإحقاق الحق , قال الله تعالى { وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ , لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } , وفي قصة موسى مع السحرة {فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ,و ِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } , منهج الإسلام في التغيير إبطال الباطل وإحقاق الحق , الملاحظ , أن معظم وليس كل  , أن معظم الثورات والحركات التي تقوم ضد الباطل تنجح في إزالة الباطل , وفي إقصاء رموزه , لكنها تفشل في إحقاق الحق , إحقاق الحق هنا توفير العدل والحرية والكرامة و حقوق البشر , تفشل في ذلك , إذا نظرت حولك في محيطنا العربي والإسلامي ترى أن بعض الناس قد نجح في إبطال الباطل لكنه لم ينجح في إحقاق الحق يا أخي , ومنهج الإسلام يحق الحق ويبطل الباطل , هو ينجح في هدم الباطل , لكنه لا يقيم الحق , ما الفائدة؟ ليس هذا فحسب , لا يفشل في إحقاق الحق فحسب ,هذا يكون له مردود في غاية التعقيد ,  أن الناس والجماهير من جراء هذا الموقف يصبح لديها حنين الى عصر الأولين من الفاسدين وأهل الباطل, من جراء غياب إحقاق الحق , تحن الجماهير إلى العصور البائدة التي ولت , مما يروى في هذا المجال أن بلدا ما خرج منه الاستعمار , وحكمت حركة التحرر هناك هذا البلد , فلما حكمت هذا البلد أصبح الناس يقفون في طوابير للخبر و  ليأخذوا حاجاتهم الأساسية , وعاشوا في حالة من حالات النكد , استطاعت الحركة أن تطرد المستعمر أن تبطل الباطل و لكنها لم تستطع أن تقيم الحق , لماذا؟ هذا يحتاج الى حديث طويل, فأصبح الناس يقفون في طوابير , فذات مرة وهم يقفون في طابور ينتظرون الخبز وحاجاتهم الأساسية , تذمرت امرأة عجوز , قالت ما هذا ؟ وبدأت تتكلم وتقارن بين هذا العصر وبين العصر البائد -عصر الاستعمار- ما هذا؟ فقال لها احد المثقفين - بائعو الكلام- قال لها: انتظري يا حجة, هذه ضريبة الاستقلال , فقالت : متى ينتهي هذا الاستقلال يا بني ؟.        

 

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.