بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:

أيها الإخوة الملاحظ أن تدين الكثير منا يقف عند الشكل أو عند الظاهر أو عند العناوين , لكن التدين في الإسلام هو : ظاهر يكمن وراءه باطن , هو: شكل يكمن وراءه جوهر, فإذا فقد الجوهر وفقد المضمون وبقي الشكل والعنوان فلا قيمة لهذا التدين , { لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} , { لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} , فإذا فقد التدين جوهره وهو العقيدة الصحيحة , الإيمان الناقد , فالظاهر لا يغني شيئا,  خذ مثلا الصلاة , الصلاة مرتبطة ارتباطا كبيرا بالنظام والنظافة والوحدة والشجاعة وأخلاق الإيمان , أين هذه القضايا في حياتنا؟ الصلاة مرتبطة بهذه القيم, أراد الله تعالى لنا من خلال الصلاة أن يقوم مجتمعنا الإسلامي على نهج الصف والنظام, وليس على نهج القطيع , عندما تتأمل حياتنا , في شوارعنا , في أسواقنا, في مدارسنا , في جامعاتنا , في حركتنا اليومية , هل يحكمنا نهج النظام ؟ , أم يحكمنا نهج القطيع؟ يحكمنا نهج الصف الذي نسمع التنبيه عليه خمس مرات كل يوم من الإمام الراتب في الصلاة ,استقيموا اعتدلوا , إن الله لا ينظر الى الصف الأعوج , هكذا نسمع خمس مرات كل يوم , المفروض أن ينعكس ذلك في حياتنا , أن نكون أكثر شعوب الأرض نظاما , لأن الله اختار لنا هذا النهج, نهج الصف {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً  } , هذا في الجهاد وحدة واحدة , في صلاة الجماعة , إن الله لا ينظر الى الصف الأعوج , هذا تدريب يومي على هذه القيمة المهمة , النظافة , الصلاة مرتبطة بها ارتباطا كبيرا, فلا تصح لك صلاة الا إذا كنت نظيف البدن , ونظيف الثوب , ونظيف المكان , فهل شوارعنا وهل مؤسساتنا وهل نحن على هذا المستوى المطلوب من النظافة مثلا؟ , ولا أريد أن أسترسل,  فربما يعرف كثيرون منكم ما لا أعرف في هذا المجال .  الوحدة ,  لماذا تسمى هذه الصلاة التي ندعى إليها كل يوم صلاة الجماعة ؟ لماذا؟  سألت نفسك ؟ الوحدة أن المسلمين تتكاثر دماءهم ويسعى بذمتهم أدناهم  , ولكراهية الإسلام للفوضى , لكراهية الإسلام لأسلوب القطيع ,  حذر النبي - صلى الله عليه وسلم –  من يسابق إمامه بركوع وسجود أن يحول الله رأسه رأس حمار , هذا تهديد صارم وشديد , لماذا؟ لأنه يعكس حب الإسلام للنظام , الشجاعة من أخلاق الصلاة , هذا الذي يقول الله اكبر في بدء صلاته ثم يتخلل كل صلاته التكبير , الله اكبر الله اكبر, هذا الذي ينادى من بيته لأداء الصلاة بهذا الشعار,  الله اكبر ثم يسمع إقامة الصلاة تبدأ بهذا النداء , الله اكبر ,  لماذا يتحول الى منافق جبان ذليل ؟ لماذا ؟ , لماذا يكون كذابا جبانا ذليلا ؟  يملأه الرعب من رأسه الى أساسه ؟-كما يقال - , السؤال المطروح لماذا لا تنعكس أخلاق الصلاة كعبادة مهمة ؟ بل هي أهم عبادة و هي أم العبادات وهي أعظم القربات  , ولذلك قال الله تعالى {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ , الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ } , وأنا مع المفسرين الذين قالوا : " إن السهو عن الصلاة هو تأخير وقتها , لكنني أضيف إلى ذلك ( بل ربما كان أهم من هذا الكلام ) , السهو عن الصلاة والسهو عن دلالاتها وعن معانيها فربما تجد حريصا على أداء الصلاة في وقتها , لكنه ذاهل عن معاني الصلاة , لا يعرف دلالات هذه السورة العظيمة التي يقرأها  {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ , الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ , مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ , إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} , هذا الميثاق الذي يعقده مع الله كل يوم , هذا الدعاء الواجب الذي ينبغي أن يردده في كل صلاة اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ " , هو لم يسأل نفسه ما حظي من هذا الصراط المستقيم ؟, ما ملامح الصراط المستقيم ؟, كيف أنا والعدل ؟ كيف أنا والإحسان ؟ كيف أنا والصدق ؟ كيف أنا وصلة الأرحام؟  " اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ" إغاثة الملهوف , مساعدة المحتاج ,  كف الأذى الى آخر ما نعرف من الأخلاق , إذا : السهو,  الأجدر أن يفسر بأنه سهو عن دلالات الصلاة , ولذلك قال الله تعالى {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ , الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ , الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ , وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} , بخلاء ليس لديهم منفعة للناس,  " خير الناس أنفعهم للناس " {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ , الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}, هل عرفت ماذا يعني الركوع ؟ ماذا تعني هذه القراءة ؟ وأنت قائم بين يدي الله- سبحانه وتعالى- ؟ إن ارتباط القراءة بالقيام فيه إشارة الى القيام بحق هذا الكتاب الذي تقرأه , القيام بتكاليفه وأعباءه النهوض به {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} , وأهل القرآن كذلك ليسوا على شيء ان لم يقيموا القرآن , وما أنزل إليهم من ربهم , ولذلك فإن هذا الارتباط بين القراءة والقيام , هذه التحية العظيمة التي تقدمها لربك بالركوع , بهذا الانحناء الذي لا يكون الا لله الواحد , السجود  {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً , إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً , وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً , إِلَّا الْمُصَلِّينَ } , هذه خصائص للنفس البشرية لكن من يحررنا من هذه الخصائص, الصلاة هي التي تحررنا وجدانيا وباطنيا منها,  إن الإنسان خلق هلوعا لا صبر له أمام الشدائد , يصاب بالهلع , هو يحب أن يكون دائما في بحبوحة من عيشه , ممتعا بالمال والولد كما قال تعالى  {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ  وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } , { إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً } الإنسان لا يصبر في مواجهة المحن والشدائد,  يتسخط ويعترض ويصدر منه ما لا يليق في حق القضاء والقدر, بل في حق الله - جل جلاله- , { وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} وإذا أنعم الله عليه كان كازا شحيحا بخيلا, إن الكرام إذا أيسروا ذكروا و هو ليس من الكرام ,  لكن الله تعالى استثنى من هذه الصفات طائفة المصلين , إلا المصلين,  هل حررتنا صلاتنا من الهلع والجزع والمنع ؟ هل حررتنا ؟ ألا ترون من يصلي وهو بخيل ؟! , ألا ترون من يصلي وهو جبان ؟!, ألا ترون من يصلي وهو جزوع ؟!  لماذا أيها الإخوة لم تحررنا صلواتنا من عاداتنا السيئة ؟ من صفاتنا السيئة؟  لماذا ؟ لأننا وقفنا عند الحركات , ونؤدي الصلاة بشكل آلي ميكانيكي فقط , لكننا لا نفكر في الصلاة كما قلت يحرص أحدنا على أداءها في  أول وقتها,  حسنا هذا ممتاز,  لكن هل تتذكر معنى الصلاة وأنت تعامل الآخرين ؟ هل تتذكر معاني الصلاة والناس يطالبونك بالحقوق ؟ هل تتذكر معاني الصلاة وأنت تعامل جارك أسوء معاملة ؟ هل تتذكر ذلك كله ؟  أم أنك تصلي صلاة كما تكون صلاة واجب , أو كما قال تعالى وهو يصف هذه الصلاة العجيبة {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } , في أية أخرى ( الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ , وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) , بخلاء ولا ينفعون الناس في شيء , لكن يحرص على الصلاة  , لأنه لا يفهم معاني الصلاة , الصلاة حجة عليه (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَر) , الصلاة أم العبادات , الصلاة فرضت أيها الأعزاء ليلة المعراج , و فرضت عند أقرب ما بلغ المعراج , حتى تعرف شرف هذه العبادة , ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - يحن إليها ويقول : " أرحنا بها يا بلال " , أعجبني أحدهم وهو يقول لي:  إن معظم الناس يقول أرحنا منها , وكأنها عبء,  حتى يتفرغ لواجباته الأخرى التي لا علاقة لها بالدين و لا بالإيمان ولا بالتقوى , هناك فرق بين أرحنا بها وأرحنا منها , كان كل راحته في الصلاة - صلوات الله وسلامه عليه-  لأنه يعرف أنها مناجاة لله رب العالمين,  يعرف أنها وقوف بين يدي الله , يعرف أنها استمداد للقوة من الله رب العالمين , يعرف أنها تجسد أخلاق الإيمان , التوكل واليقين والخوف والرجاء , كل ذلك من الله سبحانه و تعالى ,  و كان يقول- صلى الله عليه وسلم – " وجعلت قرة عيني في الصلاة " الراحة الكبرى , وكان كما جاء في الحديث الصحيح , " إذا حزمه الأمر( اشتد به) ضرع إلى الله بالصلاة " توجه إلى الله بالصلاة والمناجاة, يجد لذته في مناجاة الله.

 في إحدى غزوات النبي - صلى الله عليه وسلم- نزل منزلا غزوة يقال لها ذات الرقاع نزل منزلا,  ثم قال - صلى الله عليه وسلم-  " من يكلأنا ليلتنا هذه , من يحرسنا ؟ ,  فقام رجلان أحدهما أنصاري والأخر مهاجري , قالا:  نحن يا رسول الله ,  فقال لهما قفا في فم الشعب  ( الطريق بين واديين) يحرسان المسلمين , فعندما وصلا فم الشعب , قال الأنصاري للمهاجري : أي الليل تحب أن أكفيك أوله أم أخره ؟ فقال المهاجري بل إكفني أوله,  (أنا سأنام الآن واحرس أنت في أول الليل ) , فنام المهاجري وقام الأنصاري , فقام يصلي دخل في واحته الخضراء,  فرارا من صحراء هذه الدنيا بشهواتها ومادياتها,  فقام يصلي , فجاء رجل من المشركين - فقد امرأته في هذه الغزوة , وهو يبحث عنها- فرأى الرجل يصلي ,  فعلم أنه حرس المسلمين , فصوب إليه سهما فرماه بالسهم - وهو في الصلاة- ,  فنزع السهم ثم وضعه , فرماه بثان فنزعه و وضعه,  ورماه بثالث فنزعه ووضعه ثم ركع وسجد وأهبّ صاحبه , وقال له انهض فقد أثبتّ (أي أثبتني جراحاتي ,لم يعد بإمكاني أن أتحرك), فلما استيقظ صاحبه نظر إليه قال له: سبحان الله هلا أهببتني ( أيقظتني) أول ما رماك !! سبحان الله فقال له صاحبه والله لقد كنت في سورة أقرأها في الصلاة ,(  لا أريد أن أسترسل , لماذا نقطع صلواتنا؟ , في أكثر الأحيان نخرج من الصلوات؟  أحيانا لان جرس كذا قد آذن باتصال ) , قال كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها( حتى أتمها ), فلما تابع علي الرمي ركعت ثم سجدت فأيقظتك - ويكمل حديثه – و أيم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها " , ما دفعني لذلك إلا المسئولية لأننا موكلون بحماية هذا الثغر, و لولا هذا الأمر لبقيت , إما أن يقتلني و أنا أصلي أو أتم الصلاة  , أي سعادة كان فيها , أي لذة كان فيها , أي فهم لمناجاة الله كان يفهمه هؤلاء القوم , هؤلاء الذين صنعهم محمد - صلى الله عليه وسلم- وهم معجزته الكبرى بعد القرآن هؤلاء الذين نصروا الإسلام , وقلموا أظافر الطغيان  (و أيم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها), الصلاة لابد أن تظهر تجلياتها في حياتنا, لابد أن نتدبر هذه الشعائر لا نقف عند الظواهر أيها الأعزاء , جاء رجل الى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه ليشهد لصالح رجل آخر في قضية ما , - عمر رجل خبير وذكي وكما أعبر دائما, كان حاكما من طراز فريد -  نظر إلى الرجل وقال : أتعرفه, قال : نعم أعرفه , فسأله عمر قال - سؤال الخبير-  قال: هل جاورته , فتعرف مدخله ومخرجه ؟ قال : لا,  قال:  هل سافرت معه فتعرف مكارم أخلاقه بالشدة ؟ ( تعرف هل هو أناني ذاتي أم أنه يحرص على صديقه وأخيه وصاحبه ), قال : لا , قال هل عاملته بالدرهم والدينار فتعرف ورعه ؟ قال:  لا,  فقال أمير المؤمنين- رضي الله عنه وأرضاه- قال : نعم  , لعلك رأيته يخفض رأسه ويرفعه في المسجد , اذهب فانك لم تعرفه , الأمر تحول عند عمر إلى مجرد خفض ورفع رأس حتى لم يقل له لعلك رأيته يصلي هذه مسالة مهمة , أن عمر لم يقل لعلك رأيته يصلي فهل سنبقى نخفض رؤوسنا ونرفعها أيها الإخوة ؟ , أم أننا سنصلي صلاة مقبولة لله تعالى وسنتدبر معاني الصلاة ؟ هل سنحيي النظام في حياتنا و النظافة و الشجاعة و الوحدة و الجماعة , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

  

 الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

 فتذكر كتب التواريخ والتراجم والسير, أن صلاح الدين الأيوبي - القائد العظيم والسلطان المسلم - أنه كان لا يرى متبسما , فقيل له: لماذا هذا التجهم ؟ قال: كيف أبتسم والمسجد الأقصى في أيدي الصليبيين ؟ أيا كان , ربما كان هناك مبالغة في هذه الرواية , لكنها تعكس حجم مسئولية المسلمين , واهتمام القادة العظماء بالقبلة الأولى , لا يبتسم , ما الذي يدفعني الى الضحك والابتسام ؟ لقد قلت ذات يوم أن بقاء المسجد الأقصى تحت أيدي اليهود هذه المدة الطويلة , معناه أن الأمة تطعن في الصميم , أن بقاء المسجد الأقصى تحت سيطرة الصهاينة كالذي ينتهك عرضه أمام عينيه , ومع هذا تواتينا نحن العرب والمسلمين الجرأة أن نبتسم و أن نضحك و أن نتناسل و أن نشرب و أن نأكل , وانظروا الى فضائيات العالم العربي والإسلامي , صلاح الدين عندما برز كان العالم الإسلامي مقسما , وكان ضعيفا , وكانت الثقافة الإسلامية قد اضمحلت وانكمشت , وسيطر الجمود عليها, فبعث العلم وأحيى الثقافة, وعمل على توحيد الأمة , هناك فرق بين من يأتي الأمة موحدة فيقسمها, ومن يأتي الأمة وهي مقسمة فيوحدها, هؤلاء قادة النصر هؤلاء الذين يحققون الانتصار , وحد مصر والشام واليمن والعراق وشمال إفريقيا , المسجد الأقصى:  تتابعون الأخبار كل يوم أنه في محنة وأن اليهود يوشكون أن يهدموه , وأن المتطرفين من الصهاينة يعبثون في باحاته , والفتاوى تصدر من كل جهة من الخارج والداخل أن هبوا , وهناك دعوات للنفير العام , هل رأيتم أو سمعتم بمسرح اللامعقول , جهات تقول هبوا لنصرة المسجد الأقصى , وجهات تتقاتل ومنقسمة ,  من الذي يهب؟  صيحات تذهب أدراج الرياح , لأن الناس مشغولون بأهوائهم وشهواتهم  , لأن مصالحنا الخاصة والحزبية قدمناها على الأقصى وعلى القدس وقدمناها على كل مقدس , هذا الانقسام الذي نحياه والذي أصبح مزمنا للأسف الشديد , فضحنا أمام العالم شوه صورتنا , أضعف قوتنا , حقق لليهود والصهاينة أكثر مما كانوا يتوقعون , أنا أعرف أنكم والله تعرفون أكثر مني , لكنني أنا في موضع المذكر ولابد أن أذكركم بذلك , هذا الانقسام لما يستمر كل هذه المدة ؟ ليحقق لليهود أهدافهم, ثم يأتي شيخ مسكين يقول هبوا لنصرة الأقصى, هل تسمعون في العالم كله من يقتل غير العرب والمسلمين ؟ تابعوا الأخبار من الذي يقتل؟  في الصين  ,المسلمين في أفغانستان في العراق في فلسطين  , لا يقتل إلا العرب والمسلمين من الذي أرخص دماءنا ؟ من الذي أهدر أمننا إلى هذا الحد , أصبحنا نصفع ولا نستطيع ان نرد,  من ؟ الفرقة طوال تاريخ الإسلامي , الفرقة هي الثغرة التي كان يدخل منها المستعمر يدخل منها العدو , وكان الحلم الذي يسيطر على عقل كل عربي ومسلم الوحدة,  فجئنا في هذه الأرض لنفتعل انقساما بلا مبرر, ليس هناك حتى سلطة نتصارع عليها , لكن ماذا نفعل شهوة المال, شهوة الحكم, هي علة العرب والمسلمين طوال التاريخ هي العلة المزمنة , شهوة المال , و الحكم و السلطة , سواء في ذلك حكم الفرد أم حكم الحزب الواحد , السلطة عندنا في تفكيرنا العربي القبلي  , هي مغنم وليس مغرما وليس مسئولية , أول ما يحكم الحاكم يغرق في المال العام والنفقات الباهضة . أذكر أني قرأت عندما وقعت اتفاقية كامب ديفيد في أواخر السبعينيات , ذهب وفد عربي لزيارة واشنن وهناك أقام لهم البيت الأبيض وليمة كبيرة ,تحول كبير في المنطقة , أكبر دولة اعترفت بإسرائيل و رئيس اكبر دولة زار الاسرائيلين و خطب في الكنيست  , تحول كبير جدا , فأقاموا لهذا الوفد الذي كان يبلغ المائة شخص وليمة كبيرة , فاحتجت الصحافة الأمريكية وتكلمت باسم دافع الضرائب الأمريكي , نحن لا ندفع الضرائب لتطعموا العرب , نحن لا ندفع الضرائب حتى تنفقوها ببدخ في ولائم شكلية , هذا الحرص على المال العام هو الذي ينصر الناس, هذا حرص, هل تستطيع أن تسال أحدا من أين لك هذا؟ تستطيع؟ قل أجب لا احد يستطيع , الأحزاب والتنظيمات تجمع المال على حساب الناس وعلى حساب الأفراد ثم تقيم الأفراح وليالي الملاح والحفلات في فنادق المدينة المدمرة , وتنشأ علاقات عامة على حساب الشهداء وعلى حساب الناس, من يسألهم؟ من؟ اسألوا أي فرد في التنظيم, هل سألت قائدك او تنظيمك ؟ هذا المال الذي تنفقه  من أين ؟ هم يسألون .

  دخل جرير - الشاعر المعروف - على عبد الملك ابن مروان فمدحه بقصيدة  , وكان الشعراء كالصحافيين الآن يمدحون ليأخذوا أجرا, فمدح عبد الملك لكنه بدء بداية سيئة لم تعجب عبد الملك قال له : 

أتصحوا أم فؤادك غير صاح           عشية هم قومك بالرواح

لكن جريرا أكمل القصيدة حتى وصل الى قوله :

ألستم خير من ركب المطايا             وأندى العالمين بدون راح

 فاهتز عبد الملك طربا وفتح بيت مال المسلمين لجرير , ألمثل هذه الأغراض نشأ بيت المال , للأسف , نحن ذراري المسلمين عندنا ولع جدا بالتشبث بالأخطاء القديمة , لا نبحث عن الصواب,  نحن لا نحيي سيرة عمر ابن الخطاب لكن نحيي سيرة الحجاج ابن يوسف الثقفي , في إدارة الحكم , وفي مسئولية المال ,انظر يا أخي العزيز , ليس هناك إلا خلافة واحدة راشدة , وهي الخلافة التي كانت في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأمر ما لم يطلق علماء المسلمين على أي مرحلة أخرى أنها مرحلة راشدة , إلا على البعض كعمر ابن عبد العزيز مثلا, وما عدا ذلك اعتبروه ملوكا يعدلون أحيانا, ويجورون أحيانا كثيرة , لماذا ؟ لأن الحكم الراشدي له مواصفات , من مواصفات الحكم الراشدي أنه يمكن أبوة محبة للناس , أبوة كلها حب يمثل رئاسة حانية فيها حنو و عطف , يمثل رباطا بينه أي بين الحكم وبين الأتباع والأعوان من أجل حمل الرسالة والدفاع عن الدعوة عن الإسلام {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} , لكن الحكم غير الراشدي فمحور نشاطه امتلاك السلطة , والعمل على استدامتها , أن تبقى السلطة الى الأبد في يده , ثم تأتي الأهداف الأخرى بعد ذلك , أنا أقول لو أن العرب والمسلمين نزعوا من قلوبهم جميعا حب السلطة , وحب الحكم شهوة السلطة والمال وشهوة , الحكم ووضعوا في قلوبهم العفة والقناعة وتقديم ما هو عام على ما هو خاص لارتقوا وتوحدوا. )َلوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ). 

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.