بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } , أيها الإخوة غيّر نفسك يتغير المجتمع, هذه عبارة صحيحة , لكن الواحد منا مولع بالآخرين , يرى القشة في عين غيره ولا يرى الخشبة في عينه , و لو أن كل واحد منا اشتغل بنفسه , بحث عن عيوبها, عن آفاتها ,عن مشكلاتها, لانعكس ذلك كله على المجتمع . المريض لابد أن يتناول العلاج , لكن لو بقي المريض يتكلم عن العلاج وجودته ليل نهار, ثم لا يتناوله, إنه لا يصح من مرضه ولا يشفى منه. إن الله تعالى يقول {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } , القرآن شفاء لأمراض العقل والقلب لأمراض الفكر والشعور للعواطف المشوهة والشعور المنحرف و للفكر الضال , هل فكرت يوما أن ترصد طريقة تفكيرك؟ هل فكرت يوما أن ترصد سلوكك ؟ هل فكرت يوما أن ترصد مشاعرك وعواطفك ؟ في أي الدوائر تتحرك ؟ في دائرة الهدى والاستقامة؟ أم في دائرة الضلال والانحراف؟ إن تغيير أحوالنا وما نحن فيه مرهون بتغيير أنفسنا , ربما قال بعضنا الأحوال السياسية والاقتصادية , أنا اعترف بذلك , أعترف أن هناك أمورا تؤثر في الفرد , لكن هناك أمور تستطيع أن تفعلها أنت كفرد, لماذا لا تفعلها؟ لماذا تغلق الطريق في فرحك أو في حزنك ؟ لماذا تقلق الآخرين بمكبرات الصوت في أفراحك أو أحزانك ؟ من الذي يضغط عليك في ذلك؟ لماذا تبخل بحقوق الله وتضن بحقوق الناس؟ لماذا؟ هل تظن أن هذه الركعات التي تقوم بها آناء الليل أو أطراف النهار تنجيك من المسئولية ؟ إن أردنا أن يتغير ما بنا لابد أن نغير ما بأنفسنا أن نغير ما بعقولنا , لابد أن يتحرر البخيل من بخله , لابد أن يغير طويل اللسان نفسه, فيضبط هذا اللسان عند حدود الشرع , يصدق إذا تحدث , ينصح , يأمر بالمعروف ينهى عن المنكر , لا يمكن أن تتغير هذه الأحوال التي نعيشها دون أن نلجأ إلى الله ظاهرا وباطنا , {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } , { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } , مجتمعات المسلمين مجتمعات مريضة, الإنسان المسلم مريض بأمراض ظاهرة و باطنة , على كل المستويات , فأين نذهب بهذا المريض؟ إلى متى نبقى عاجزين أيها الإخوة عن الشفاء , عن العلاج ؟ الاستغفار : عودة إلى الله , المغفرة: ستر من الله, الاستغفار: طرق لباب الله جل جلاله وعامل كبير من عوامل التغيير, على لسان هود يقول لقومه {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ } , ماذا تريدون أكثر من ذلك ؟ يتغير المجتمع بالاستغفار الحقيقي وليس الاستغفار اللفظي, وأنت إذا قرأت القرآن تجد مستوى من الاستغفار عجيب يجعلنا نخجل من أنفسنا . إن الله –سبحانه و تعالى- يتحدث عن الحج مثلا فيقول جل جلاله {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ , ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} , الاستغفار من ماذا ؟ طالما في الحج , طالما نحن أفضنا من عرفات إلى المشعر الحرام , فما ضرورة الاستغفار؟ , الاستغفار نحن نعرف أنه للغارقين في مستنقعات ذنوبهم وأخطائهم , حتى نعرف أيها الإخوة أين نحن؟ أولوا العزائم أولوا البصائر أولوا النهى يستغفرون من تقصيرهم مع الله سبحانه و تعالى , فلعل هذه العبادات تخلل إليها تقصير , فلعل هذه العبادات اعتراها خلل, فجعلها لا تليق بجلال الله لا تليق بوجهه الكريم {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ , ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ,عندما سئل حاتم الأصم قيل له : كيف تكون إذا صليت؟ قال:" والله إذا صليت جعلت الله قبل وجهي , وكأن الصراط تحت قدمي, وكأن ذنوبي محيطة بي , وكأن الجنة عن يميني , وكأن النار عن يساري, (يستحضر حقائق الإيمان ) وكأن ملك الموت آخذ بناصيتي , ثم أصلي صلاة لا أدري أيقبلها الله أم يردها عليّ" , الاستغفار ليس حركة باللسان, عندما دخل الناس في دين الله أفواجا , وحقق الله لنبيه الفتح الأعظم , وبّلغ رسولنا رسالة الله, وأدى الأمانة , وقام بأعباء هذه الرسالة الكبرى, ماذا قال القران له؟ : {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ , وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً , فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً } , الاستغفار حتى في لحظات الانجاز , في لحظات العبادات الكبرى, في لحظات الانتصارات , الاستغفار من التقصير, ومن ماذا أيضا؟ الاستغفار من مشاعر الكبرياء والافتخار والمباهاة التي غالبا ما تتسرب إلى ضمير الإنسان وقلبه عندما ينجز شيئا {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ , وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً , فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً } , عندما يقول القرآن الكريم وهو يصف عباده المصطفين {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ } , قل لي بربك مم يستغفر هؤلاء؟ من أي شيء؟ {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ } مدوا صلاتهم إلى السحر إلى قبيل الفجر , ثم جلسوا يستغفرون الله من أي شيء ؟ يستغفرون انه مستوى راق في العبودية , إنهم يستغفرون مما تسرب في عبادتهم من نقص لا يليق بكمال الله ومقامه وجلاله, ولذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك" , أنت لا تستطيع أن تؤدي حق الله عليك , فلابد أن تدور دائما في فلك الاستغفار في فلك الرجوع إلى الله, الاستغفار عودة إلى الله , المغفرة ستر من الله , الاستغفار تغيير تحدثه في نفسك , ليس استغفارا باللسان كان النبي -صلى الله عليه وسلم-:" إذا سلم من صلاته (سيد الخلق) ماذا يقول؟ يستغفر الله ثلاثا ثم يتوجه إليه قائلا : "اللهم انك أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" الاستغفار ليس حركة عضوية باللسان وانتهى كل شيء , حتى بعد الوضوء إذا توضأ وتطهر:" سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا اله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك" , الاستغفار عقب الطاعات أيها الإخوة: إذا كانوا يستغفرون عقب الطاعات, أفلا نستغفر الله عقب الذنوب والخطايا والآثام؟ يستغفر الله عقب الصلاة, يستغفر الله عقب الوقوف في عرفات , يستغفر الله عقب تبليغ الرسالة والقيام بأعباءها, إذا جاء نصر الله و الفتح , يستغفرون الله بعد صبرهم وبعد قنوتهم وبعد صدقهم وبعد قيامهم بالليل , يستغفرون الله عقب الطاعات , أفلا نستغفر الله , وقد أحاطت بنا ذنوبنا؟ ذنوب على مستوى السلوك, وذنوب على مستوى الفكر , وذنوب على مستوى المشاعر , الإنسان كما قلت مولع بنقد غيره, اشتغل بعيوبك يا أخي , هناك مسائل أنت مسئول عنها , وهناك مسائل تحتاج فعلا إلى جهد جماعي , تحرك فيما لك قدرة عليه, لماذا تعجز؟ ولا تتحرك فيما لك قدرة عليه؟ ثم تتحرك فيما ليس لك فيه قدرة عليه؟ هذا نوع من الهروب من المسئولية , الأسرة ,الأولاد, التعليم والإعلام مسائل تحتاج إلى تغيير على مستوى البنية العليا -كما يقولون- على مستوى الحكومات لأن الحكومات هي التي تقبض على مناهج التعليم والإعلام , لكن هناك مسائل تتعلق بك كفرد وكرب أسرة تتعلق بكم كأفراد , عاداتنا بالأفراح , عاداتنا بالأتراح , معاملة الجيران , معاملتك لزوجتك, كيف تتعامل معها أيها المصلي أيها الراكع الساجد ؟ هل تتعامل معها كما قال تعالى {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} هل تتعامل معها كما قال تعالى{ َلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ} , أم أنت السيد المخدوم؟ وهي العبدة الخادمة؟ كيف تتعامل؟ هذه الصلاة التي تصليها ليست معزولة عن بقية تعاليم الإسلام, ولذلك لاحظ عندما تكلم القرآن الكريم عن مصوغات قبول الاستغفار عند الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } , الغفران والمغفرة هنا مرتبطة بطيبة القلب, مرتبطة بصفاء القلب , قلب صاف طيب لا غل فيه ولا حسد لا بغض فيه ولا حقد, انظر إلى قلبك يا أخي لا تهرب لا ينبغي أن نهرب من مسئولياتنا, انظر إلى قلبك , هل ملئ محبة وحرصا على فعل الخير؟ هل امتلئ نصيحة للآخرين ؟ هل امتلئ غلا وحسدا وبغضا وحقدا؟ طهر هذا القلب , لاحظ هذا التعبير الدقيق {إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ } إتباع السنة طريق من طرق المغفرة {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } , إن الله يعاملك كما تعامل الآخرين هل أنت عفو؟ هل تصفح عن إخوانك ؟ أم انك رجل شحيح لا تتنازل عن حقك ؟ لا تتنازل في معاملة من المعاملات , بالطريق, في أي مكان , أنا أعرف أن هناك ناسا حريصين على أداء الصلوات في المسجد , لكن يا ويلك لو التبس أمرك معهم, لابد من الصفح ولابد من العفو {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } , وهذه الآية نزلت في حق أبي بكر الصديق -رضوان الله عليه -عندما منع المساعدة المادية التي كان يعطيها لأحد أقربائه, عندما علم أنه شارك في حديث الافك الذي يتعلق -بالصديقة بنت الصديق- عائشة رضوان الله عليها , فمنع عنه المساعدة فتنزل القرآن الكريم , {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} هل تنسى أخطاء الآخرين معك؟ هل تعفو؟ هل تصفح؟ سل نفسك , حتى تكون آهلا لأن يغفر الله لك , إن غفرت لعباد الله غفر الله لك ,إن عفوت وصفحت عفا الله عنك وصفح عنك , القول السديد طريق للمغفرة, اللسان اللقلاق الذي لا يهدأ غيبة ونميمة وكذبا وتجريحا وتشهيرا , أعوذ بالله! إن الله تعالى يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً , يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } , هل أنت حريص على مغفرة الله؟ هل أنت حريص على أن تغير نفسك ؟ ابسط يدك أيها الغني , ابسط يدك أيها البخيل, وابحث عن البيوت المستورة ,وعن الطلاب الفقراء , وابحث عن المرضى الذين لا يجدون العلاج, {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ } هذه بوابات الغفران أيها الإخوة, ليس بوابات الغفران اللقلقة باللسان أو بالمسبحة , استغفر الله , استغفر الله, هذه حجة عليك وليست حجة لك {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ } , هذا طريق الغفران إن كنت ذا مال , إن كنت ذا غنى , إن كنت ذا سعة , ابسط يدك لعباد الله , إياك أن تكون بخيلا , (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) , صفي نيتك وقلبك , {إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ }, أقم لسانك على الصدق, {اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً , يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } هيا أيها الإخوة , هيا نغير من أنفسنا , ولو غيرنا مسألة واحدة كل شخص, نجاهد, هيا نجاهد أنفسنا أيها الإخوة الأعزاء , لنغير ما بأنفسنا حتى يغير الله ما بنا, اتركوا الحديث الفارغ , و التحدث في عيوب الناس , طوبى لعبد شغله عيبه عن عيوب الناس , هناك ناس يقضون سحابة نهارهم في الثرثرة , فلان فعل و فلان ترك و ما اخر الاخبار في الموضوع الفلاني ...... , لماذا لا نغير أنفسنا أيها الإخوة هناك عادات سيئة أنت تعرفها, أنت تعرف هذه العادات , عادات فكرية وسلوكية ومواقف شعورية وعلاقات اجتماعية كلها سيئة تعرفها أنت , فلماذا لا نبدأ في تغييرها أيها الإخوة الأعزاء ,ربنا اغفر لنا ذنوبنا و إسرافنا في أمرنا و ثبت أقدامنا و انصرنا على القوم الكافرين , أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
احتفل المسلمون في الأسبوع الماضي, بذكرى الإسراء والمعراج , وتعامل المسلمين مع ذكرياتهم الكبيرة أمر في غاية العجب , تأتي هذه الذكريات ذات الدلالات الضخمة , فلا تحرك فيهم ساكنا!! احتفالات خشبية , جامدة, ونحن لا نتحرك. إن الإسراء له دلالات كبيرة جدا , من أهم دلالاته المكانة العليا والمقام الرفيع والمستوى الاسنى, لسيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- مؤكد أنك تحفظ آية الإسراء, ما من احد إلا ويحفظها!! (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) هل وقفت عند قوله تعالى "بعبده"؟ وكأنه العبد الوحيد لله , ليس لله عبد غيره -صلوات الله وسلامه عليه- هل وقفت عند هذا المعنى ؟ الذي يزيدك إيمانا برسول الله -صلى الله عليه وسلم –و يزيدك حبا له ,ويزيدك إتباعا له , (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) لم يقل سبحان الذي أسرى بمحمد , بعبده , ليس هناك عبد إلا هو -صلى الله عليه وسلم - .
الإسراء تكريم للنبي, إعلاء لمكانته ,لمقامه ,لقد وصل إلى مقامات لا يصل إليها ملك مقرب, ولا نبي مرسل- صلوات الله وسلامه عليه - , وفي ذلك يقول احمد شوقي أبياتا جميلة - وهو يصف هذه الرحلة العجيبة والمعجزة الكبرى- يقول في وصف الإسراء :
أسرى بك الله ليلا إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم
لما خطرت به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم
صلى وراءك كل ذي خبر ومن يفز بحبيب الله يأتم
هذه رحلة الإسراء , استقبل الأنبياء النبي - صلى الله عليه وسلم - في السماء , ثم أتموا به في المسجد الأقصى المبارك , هذا هو نبينا , أفلا نجدد إيماننا به ؟ أفلا نجدد حبنا له ؟ أفلا نجدد إتباعنا لسنته -صلى الله عليه وسلم- ؟ إنه سيد الخلق , إنه إمام النبيين إنه أمير المصلحين –صلى الله عليه و سلم -, ويقول شوقي في وصف رحلة المعراج من بيت المقدس إلى السماوات يقول :
تغشى الغيوب ( سماء وراء سماء , لهذا السيد المحمد نبي العالمين الرسول للبشرية جميعا)
تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء
الله هيأ من حظيرة قدسه نزلا لذاتك لم يجزه علاء
لم يبلغ احد ما بلغه النبي -صلى الله عليه وسلم - , اعرفوا قدر نبيكم , اعرفوا قدر رسولكم, اعرفوا قدر هذا الإسلام, الذي اوجد العرب من عدم, وجعلهم رقما في دنيا الناس ,ويوم أن تخلوا عن هذه السنة , وتخلوا عن هذا الدين, أصبحوا كرة تتقاذفها أقدام الشياطين من الإنس والجن :
تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء
الله هيأ من حظيرة قدسه نزلا لذاتك لم يجزه علاء
والرسل دون العرش لم يؤذن لهم حاش لغيرك موعد ولقاء
ومن اللطائف الجميلة جدا ,التي لعلها تحرك عواطفنا ,لعلها تستثير عقولنا, لعلنا نقبل على هذا القرآن ,لعلنا نقبل على سنة النبي, لعلنا نقبل على هذا الإسلام ,لعلنا نكف عن المتاجرة بالدين والوطن, ونتوجه إلى الدين ,والى القيم ,التزاما وإتباعا وصدقا وإخلاصا, يقول أحدهم وهو يقارن بين مناجاة موسى, ومناجاة النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:
إذا ذكروا نجي الطور فاذكر نجي العرش مفتقرا لتغنى
فموسى خر مغشيا عليه واحمد لم يكن ليزيغ ذهنا
(ما زاغ البصر و ما طغى )
وإن قابلت لفظة لن تراني بما كذب الفؤاد فهمت معنى
قال في النبي – صلى الله عليه و سلم - : (ما كذب الفؤاد ما رأى ) و قال لموسى ( لن تراني ) .
وحديث الإسراء لا ينتهي المهم أيها الإخوة هل قررنا أن نتقدم خطوة نحو الله؟ هل قررنا أن نغير ما بأنفسنا؟هل قررنا أن ننظر ما الذي يحشو عقولنا ؟ما الذي يحشو قلوبنا؟ ما هي أهدافنا ما هي همومنا ؟هل هي تسير في الطريق الصحيح و على هدى من الله سبحانه و تعالى فنحمد الله على ذلك ؟ أم أنها ضرب من الشهوات و الطمع و الحسد و البغض؟
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.
.