بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:

فنريد أن نقف عند بعض الأحاديث والصيغ النبوية في الاستغفار, لنعرف المستوى السامق والأفق العالي الذي كان يدور فيه رسول الله - صلى  الله عليه وسلم - , كان يقول - صلوات الله وسلامه عليه - : "يا أيها الناس توبوا إلى الله , فإني أتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة " –صلى الله عليه و سلم - , وكان أصحابه - رضوان الله عليهم- يعدون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم" رب اغفر لي وتب عليّ , إنك أنت التواب الغفور " مئة مرة , لابد أن تسأل نفسك , إذا كان هذا هو شأن النبي  - صلى الله عليه وسلم – من غفر الله له ذنبه ما تقدم و ما تأخر, فما عساه أن يكون شأننا نحن . كان أصحابه يعدون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم " رب اغفر لي وتب عليّ " مئة مرة , ثم يقول: إنك أنت التواب الغفور" وكان بعد أن نزل عليه قول الله تعالى  {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً } , كان لا يصلي صلاة قط , إلا قال فيها:" سبحانك اللهم وبحمدك , اللهم اغفر لي ".  وفي الصحيح أيضا أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتوجه إلى ربه بصيغة عجيبة عندما تسمعونها , كان يقول - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم اغفر لي خطيئتي , وجهلي , وإسرافي في أمري , وما أنت أعلم به مني , اللهم اغفر لي جدي وهزلي , وخطأي وعمدي , وكل ذلك عندي , اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت , أنت المقدم وأنت المؤخر, وأنت على كل شيء قدير " , سيد الخلق - صلوات الله وسلامه عليه - يقول : " اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري", إياك أن يتسرب إلى ذهنك أن ما ينسب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أو ينسبه إلى نفسه من خطأ وذنب كخطئك أو خطئي أو كذنبك أو ذنبي , المسالة نسبية فكان - صلى الله عليه وسلم - يتوجه إلى الله بالاستغفار والتسبيح والتبتل , استجابة لأمر الله من ناحية لان الله قال له : {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } , فكان استغفاره - صلوات الله وسلامه عليه - استجابة لربه , وإجلالا لله , وما ينسب إليه من ذنب ليس كذنوبنا , وكان استغفاره من لحظات الفتور التي تعتليه . إن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- معصومون من الأخطاء التي يترتب عليها عقاب , من الأخطاء التي يقع فيها البشر العاديون , هذا الدعاء يذكرنا بدعاء أبينا إبراهيم, عندما قال:" والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين", ولا ندري أن لإبراهيم خطيئة -عليه السلام- لكنه تواضع والإجلال لله رب العالمين , والاستجابة لتوجيه الله , وتعليمنا نحن أيها الإخوة كيف نستغفر ربنا, , حتى يستيقظ ضميرك, وحتى ينهض حسك , وحتى تتساءل أمام نفسك اذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة , إذا كان رسول الله  - صلى الله عليه وسلم - يعد له أصحابه مئة مرة في المجلس الواحد " رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم " , إذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوجه إلى ربه بهذه الصيغة الجامعة , ماذا نفعل نحن أيها الإخوة ؟ وقد أحاطت بنا ذنوبنا , وتراكمت أخطائنا على قلوبنا , ماذا نفعل أيها الإخوة عندما نسمع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :" اللهم اغفر لي خطيئتي , وجهلي , وإسرافي في أمري , وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي جدي ,  وهزلي , وخطأي , وعمدي , وكل ذلك عندي , اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت , أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير " , وما أطلق عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم-  سيد الاستغفار - الصيغة المشهورة - : " اللهم أنت ربي , لا اله إلا أنت , خلقتني وأنا عبدك , وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت , أعوذ بك من شر ما صنعت , أبوء  لك بنعمتك عليّ , و أبوء بذنبي , فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم " , هذه لتكشف لنا عن ذلك المستوى وذلك الأفق الذي كان يحلق فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولتنبه النائمين منا , ولتنهض الغافلين الذين أحاطت بهم خطاياهم , فيتوجه صراعا إلى الله سبحانه و تعالى , واسمع حديث القرآن الكريم وهو يتحدث عن النخبة المؤمنة , يتحدث عن خيار الصالحين , كيف يتوجهون إلى الله بالقنوط والاستغفار ؟  مم كانوا يستغفرون ؟ ومما ينبغي أن نستغفر نحن ؟  اسمع قول الله جل جلاله { لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ, الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ , الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ } , يا أخي صبروا وصدقوا وقنتوا وأنفقوا و كابدوا قيام الليل بالذكر و العبادة , ومدوا صلاتهم حتى وقت السحر ثم جلسوا بعد ذلك كلهم يستغفرون , أما آن لنا ونحن نقرأ القرآن أن نسأل أنفسنا أين نحن من هذه المستويات ؟ أما آن لنا أيها الإخوة الأعزاء أن نتنسم هذه النسمات الرائعات التي يقرأها علينا القرآن الكريم ؟ أن نخرج من مستنقعاتنا ؟ أن يخرج كل منا من المستنقع الذي يتقلب فيه صباح مساء , { الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ , الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ } بالله عليك تأمل هذه الآيات تأمل هذا النموذج الذي صبر وصدق وأنفق وصلى بالليل وكابد قيام الليل و مد صلاته إلى السحر ثم جلس بعد ذلك كله يستغفر ربه , ولقد عرض القرآن لهذا النموذج أيضا في سورة الذاريات عندما قال { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ , آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ , كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ , وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } , هل يستوي هؤلاء , مع من يتحولون إلى جثث هامدة بالليل؟ ولا يعرفون للاستغفار سبيلا؟ لكن هذا الاستغفار لا يغير من واقعهم شيئا, وعندما تحدث القرآن الكريم عن أولي الألباب- أصحاب العقول - , هناك لب وهناك قشر , {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ , الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِم } تأمل يا أخي وتابع حديث القرآن و بيان القرآن , {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ , الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِم } , التدين عملية وعي , التدين ذكر وفكر , قلب وعقل , هناك عملية خاصة بالقلب و الذكر و الخشوع  والرهبة,  وهناك فكر , عملية عقلية {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } , ثم يقول في أوساطهم أو في مقالتهم  {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ } , ترى ما هي ذنوبهم ؟ لعلك تظن أن ذنوبهم كذنوبك !.

 وفي سورة المؤمنون عرض لمثل هذه النماذج التي تفعل الكثير من الخير , لكنها تظل تعيش الإحساس بالتقصير في حق الله - جل جلاله- , مهما قدمت ومهما فعلت , اسمع ماذا يقول القرآن يقول  {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ , وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ , وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ , وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ , أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} , لاحظ معي يا أخي , تدبر, لاحظ فضيلة الاختصاص , أن الله خصهم به سبحانه وتعالى , {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ , وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ , وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ}, انه ربهم , إنها فضيلة خصهم الله بها و مع هذا { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ َ} , يفعلون كل ذلك وهم يخافون التقصير, قالت عائشة: " يا رسول الله من هؤلاء؟ هل هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر , ويخاف العقاب؟  قال : لا يا ابنة أبي بكر  لا يا ابنة الصديق , هؤلاء من يتصدق ويصوم ويصلي ثم يخاف ألا يتقبل الله منه" .

 أيها الإخوة: تراكم الذنوب والأخطاء كتراكم الأوساخ والأتربة و الغبار على الثوب و الجسد, هل تطيق رائحة جسدك ؟ وقد تراكم عليه الغبار والأتربة والأوساخ أياما عديدة؟ إنك أول من ينفر من هذا الجسد, إنك أول من يتضايق من هذه الرائحة , ماذا تفعل؟ انك تهرع إلى غسيل ثوبك و تطهير جسدك ,إن تراكم الذنوب على القلب يشبه تراكم الأوساخ , لاحظ , وقد مرت عليك أسابيع وأنت لم تغتسل وقد تراكمت الأوساخ على ثوبك , كيف تكون هيئتك؟  كيف يكون جسمك ؟ هل تطيق نفسك من الرائحة الكريهة ومن الأوساخ التي تتراكم على بدنك وعلى ثوبك ؟ إن الله يقول  {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ } , و الران هو الحجاب الكثيف الغليظ على القلب من كثرة الذنوب ذنب وراء ذنب , يصنع طبقة على القلب تورث حالة من القسوة والغفلة {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ } ,لا يعرف معروفا و لا ينكر منكرا ,  وربما سألت نفسك أنت حول قول الله تعالى  {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} , ربما سألت نفسك ذات يوم , لماذا لا أخشع أمام القرآن؟! والقرآن يتحدث عن أن الجبل يخشع لو نزلت عليه هذه الآيات؟ هذا هو السر : أن بينك وبين التأثير القرآني حجابا كثيفا من الذنوب . قال - صلى الله عليه وسلم - :" إن المؤمن إذا أذنب كانت في قلبه نقطة سوداء, فإذا تاب ونزع واستغفر سقلت (محيت) , فإن زاد زادت حتى تعلو قلبه " , وهذا هو الران الذي ذكره الله في قوله {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ } , أما آن لنا أن نتذكر ذنوبنا وتقصيرنا , كيف حال شكرنا مع نعم الله ؟ كيف حال صبرنا مع ابتلاءات الله ؟ كيف حالنا مع عبادات الله وتكاليفه؟  ما هي أحوالنا في الشكر والصبر والعبادات؟ أما آن لنا أن نتذكر واقعنا النفسي وواقعنا السلوكي والاجتماعي ؟, أما آن لنا أن نتحرر من هذا الركام الذي يحرمنا الانفتاح على الله , والذي يحرمنا في واقع الأمر رحمة الله {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ },  كيف أنت مع النعمة , هل أنت شاكر تشكر النعمة ؟ كيف أنت مع الابتلاء , هل تصبر ؟ أم انك منوع  بخيل كازّ عند النعمة ؟  وجزوع عند البلية؟ أم أنك تسير وفق ما أراد الله -جل جلاله -في الحالين ؟ كيف أنت في العبادات ؟ إن هناك أيها الأعزاء واجبات علينا , يا ليتنا نرجع فنفتح صفحات أعمالنا , يا ليتنا نرجع وقد عزمنا على التوبة والاستغفار , وعلى غسل هذا القلب وعلى التحرر من هذا الركام , هل أخطأت في حق أحد ؟ هل أخطأت مع أحد؟ هل أخطأت مع الناس فيما يتعلق بأموالهم أو دمائهم أو أعراضهم ؟ تب إلى الله سبحانه و تعالى فان سيد الخلق كان يتوب في اليوم سبعين مرة , تذكر أخطاءك في حقوق الناس المادية , تذكر أخطاءك إن تورطت في دماء الناس , تذكر أخطاءك إن تورطت في أعراض الناس , تذكر إن بسطت لسانك  أو إن فتحت عينك على ما لا يجوز, أو  إن أرخيت أذنك لما لا يجوز, أو أن نقلت قدمك إلى ما لا يجوز , كل ذلك ينبغي أن تتذكره وأنت تسمع , كيف كانت النخبة المؤمنة تلجأ إلى الله تعالى وتستغفر بالأسحار؟ وكانوا قليلا من الليل ما يهجعون .

 اعزموا أيها الإخوة , ولنبدأ صفحة جديدة مع الله تعالى , ربنا اغفر لنا ذنوبنا و إسرافنا في أمرنا و ثبت أقدامنا و انصرنا على القوم الكافرين ,   أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية:

 

 الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

 

 منذ زهاء قرن تقريبا سقط النظام الإسلامي- المتمثل في آخر مراحله في الخلافة العثمانية -, وخطورة هذا الأمر أن هذه هي أول مرة يسقط هذا النظام بعد مرور ثلاثة عشر قرنا , عاش المسلمون في ظل هذا النظام الإسلامي , كان النظام الإسلامي يحكم علاقاتهم الداخلية و يحكم علاقاتهم الخارجية , وكان يهيمن على كل مناحي حياتهم,  فهذه المرة الأولى الذي استبدل فيه الكفر بالإسلام  نحيّ الإسلام جانبا  و كرّست أنظمة الكفر , وعاش المسلمون ثلاثة عشر قرنا في ظل النظام الإسلامي , لا أزعم أنها كانت سمنا وعسلا في كل المراحل , كان هناك هانات وهانات , كان هناك استبداد وكان هناك سفك للدماء , وكان هناك شكلية , وكان هناك بدع , وكان هناك ضلالات , وكان هناك نزاعات , كل ذلك كان ,  لكن أيضا كان هناك انتصارات و إزدهارات , والهانات : أي المخالفات التي حدثت لم تكن استبدالا للمنهج , وإنما كانت انحرافا عنه , وفرق بين أن تخطئ تنكرا وجحودا للمنهج واستبدالا له , وبين أن تخطئ وأنت معترف بهذا المنهج , أي تخالفه . على كل حال سقطت الخلافة التي كانت تمثل الأبوة الروحية والثقافية والسياسية للمسلمين , الخلافة بالمناسبة قبل أن تكون شكلا وعنوانا , هي مضمون ومحتوى , الخلافة حراسة للدين وسياسة للدنيا, ودفاع عن الأمة , وتحقيق لمقاصد الإسلام في العدل والحرية والكرامة , ويوم أن تحولت إلى شكل , ربما كان هذا من أهم أسباب سقوطها في المرحلة الأخيرة, وربما كان هذا من أهم أسباب انهياراتها التي حدثت أكثر من مرة أمام التحديات الخارجية , عندما جاء الصليبيون كانت الخلافة شكلا , كانت الخلافة اسما,  شكلا فرغ من مضمونه للأسف الشديد , سقطت الخلافة الإسلامية في مرحلتها الأخيرة , بعد أن حمت الحقيقة المنطقة من الغزو الغربي دهرا طويلا , والكوارث التي نعاني منها الآن هي بعد غياب هذه الخلافة التي كانت تمثل وحدة المسلمين , وتمثل قوتهم ,  وبكى عليها المسلمون , بكى الشعراء , وبكى الناس , لكن ماذا يغني البكاء والنحيب ؟.              

 قال احمد شوقي أفضل ما لديه قال :                                                                                                                                                                                                                               ضجت ضجت عليك مآذن ومنابر                 وبكت عليك ممالك ونواحي

الهند والهة ومصر حزينة                 تبكي عليك بمدمع سحاح

الشام تسأل والعراق وفارس              أمحي من الأرض الخلافة ماح

لابد من عمل , الخلافة لا تعود بالشعارات ولا تعود بالعواطف ولا تعود بالبكاء والعويل , لابد أن نفهم إذا أن سقوط هذا النظام الإسلامي دلالته خطيرة جدا , وأنه سبب الكوارث التي نعيشها , سبب قيام إسرائيل, سبب تمكن أنظمة الكفر من المنطقة , سبب تجزئة العالم العربي والإسلامي على هذا النحو الرديء الذي نراه , لابد أن نعرف أن الخلافة ليست شكلا , وعندما ندعو للخلافة أيضا أو النظام الإسلامي نحن لا نزعم أن هذا النظام سوف يحل مشكلات الناس بشكل سحري, وأن الخلافة وصفة طبية إذا اشتريناها من الصيدلية انتهى كل شيء , لا يا أخي : إن النظام الإسلامي مرهون بالتطبيق الذكي العاقل, بالتطبيق الذي يراعي مصالح الناس ومقاصد الشريعة, أبدا لا يمكن يكون مجرد وصول الإسلاميين أو جهة إسلامية إلى الحكم معناه خلاص انتصر الإسلام, لا ينتصر الإسلام إلا عندما نحسن تطبيق الإسلام , لان الخلافة كانت قائمة واقتحمت بغداد من قبل التتار, والخلافة كانت قائمة واقتحمت بلاد المسلمين من الصليبيين, والخلافة التركية كانت تعيش عفنا داخليا لا مثيل له , لكن هذا لا يزهدنا في نظامنا الإسلامي, ما الطريق بالعودة لنظام الخلافة أو النظام الإسلامي ليست صراخ ولا شعارات وليس بكاء وعويل , إنما هو ما رسمه وما حدده الله تعالى قال تعالى  {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} , فالخلافة وعد الله , والإيمان والعمل الصالح طلب الله , فلابد أن تبدأ بتحقيق ما طلبه الله منك , ماذا فعلنا على مستوى الإيمان والعمل الصالح ؟ العمل الصالح دائرة واسعة تشمل الكون كله, ماذا فعلنا؟ هل الجهد متساو بين ما نبذله من جهد حول الخلافة وحول الإيمان والعمل الصالح؟ إن الله تعالى يقول  {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } , إذا لابد أن نبذل جهودا مضاعفة في دائرتي الإيمان والعمل الصالح , كما قال تعالى في دائرتي الصبر واليقين, {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } , {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ } قم بالمطلوب منك يحقق الله الموعود لك هذا هو المطلوب منا أيها الأعزاء .نسأل الله سبحانه و تعالى أن يردنا إلى دينه ردا جميلا , و أن يهيئ لنا قيادة راشدة مؤيدة بنصر الله و المؤمنين , قيادة تحقق مقاصد الإسلام و لا تكتفي بشعارات الإسلام فحسب.

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.