بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:

أحيانا يتحول المجتمع الى ظاهرة راكدة , متى يتحول المجتمع الى ظاهرة راكدة ؟ عندما تغيب فيه ثقافة المراجعة والنقد والمسائلة والمحاسبة , وتروج فيه ثقافة السمع والطاعة والإتباع و التنفيذ ,عندئذ يكون المجتمع مجتمعا راكدا أو يتحول الى ظاهرة راكدة كما نقول , تتبخر مياهه ولا تتجدد ! لابد بين الفينة والفينة من مراجعة ومسائلة ومحاسبة , لماذا حدث ما حدث لماذا ؟ لا ينبغي أن ينفرد أحد بالفعل وحده في المجتمع , لا , لابد أن يكون هناك نقد ذاتي , لابد أن تنتشر وأن تروج ثقافة السؤال , ماذا قدمت؟ وماذا أخرت ؟.

الذي يفكر في بناء المستقبل هو الذي يلجأ بالضرورة الى مثل هذا المنهج , يراجع نفسه و ينقدها ويحاسبها, أين قصرت ؟ أين أخطأت؟ أين أسأت؟ لاحظ أن القرآن ورد فيه قول الله تعالى (انظروا ) و ورد فيه قول الله تعالى (انتظروا), انظروا للماضي ادرس تجارب الماضي وقف عند أحداثه , انتظروا للمستقبل . فمن أراد أن يبني المستقبل لابد أن يدرس الماضي , وهو لا يستطيع أن يدرس الماضي إلا اذا عرف أخطاءه وحاسب نفسه ونقدها . نريد ثقافة تحيي ولا تميت , تبعث فينا العزيمة.

 على كل حال , نريد أن نستكمل حديثنا عن الإستغفار الذي بدأناه في الجمعة الماضية , وهو له علاقة بهذا التقديم الذي ذكرته,  لان الاستغفار منهج شرعه الله لنا وباب فتحه الله لنا, وفضل تفضل الله به علينا, وهو شكل من أشكال الحركة والتغيير , الاستغفار : مراجعة للنفس تكريس لمنهج النقد الذاتي والمسائلة  والمحاسبة,  وتجاوز لمنطق السمع والطاعة -الذي ينفذ في كثير من الأحياء بشكل يميت ولا يحيي - .

في موضوع الاستغفار الله -سبحانه وتعالى- شرع الأبواب لنا أيها الإخوة, حتى لا نغرق في أخطاءنا ونمتلئ يئسا وقنوطا ونضرب كفا بكف , بمعنى أنه ليس هناك أمل في المستقبل , وأن نتحول إلى ظاهرة راكدة , إنما يبعث الله فينا الأمل لنجدد مسيرتنا نحو وجهه الكريم , لنستأنف حياتنا في ظل التوجيه الإلهي العظيم لتنهض العزائم الغافية , إن من أهم مشكلاتنا اللامبالاة ,أو ربما اليأس أحيانا , أو ربما الرضا , وليس في الإمكان أبدع مما كان , إن الله تعالى وهو يفتح باب الاستغفار لنا يقول لنا : جددوا أنفسكم , استأنفوا سيركم , تجنبوا أخطائكم , من بلا أخطاء ! ارصدوها جيدا وتجنبوها , تأملوا الماضي واستنبطوا منه قوانين الاستقرار في الحاضر , وقوانين بناء المستقل.  في الحديث الذي يرويه النبي-  صلى الله عليه وسلم- عن ربه يقول:"  يا ابن ادم إنك ما دعوتني ورجوتني , غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي , يا ابن ادم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي , يا ابن ادم لو لقيتني بتراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ,غفرت لك ولا أبالي " هذا النداء الجليل هذه الآفاق من الآمال  لتنزع الإنسان من الوحدة التي سقط فيها , إن الناس يخطئون في الليل والنهار , إن الناس يذنبون في الليل والنهار,  والله تعالى يناديهم اخرجوا من هذه الظلمة , اخرجوا من هذا السلوك,  ابدؤوا برنامجا آخر,  جدد عقلك , جدد قلبك, جدد سلوكك , لا ينبغي أن يقعد بك خطئك  أو ذنبك إن الله - جل جلاله-  يقول: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ) , فالظلم مرصود و محسوب , لكن الله تعالى رب رحيم ودود غفور , (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى , الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) , لكن اقبل عليه أنت (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ) بكم و بضعفكم و بتركيبكم و بتكوينكم  ( هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) , وهكذا تستمر إذا قرأت القرآن تلتقي بكل هذه النداءات الربانية , التي ترسم آفاق الأمل أمامك, مجتمعا وفردا , أين أنت من قول الله تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ )؟ عندما أخطا المسلمون خطأ ( بالقياس إلى أخطائنا أنا أقول انه خطأ بسيط ) أخطأ المسلمون في معركة أحد, خالف الرماة أمر النبي- صلى الله عليه وسلم- ذاقوا مس الهزيمة - والقرآن يتنزل عليهم-  بالله عليك, هل ورد في خاطرك أن تقارن بين الخطأ الذي وقع فيه المسلمون في معركة أحد , وبين ما نقع فيه من أخطاء آناء الليل وأطراف النهار؟! قطعا إذا قارنت سوف تصل الى نتيجة,فحواها ماذا نستحق في ظل أخطاءنا وخطايانا؟و مع هذا يرحمنا الله سبحانه و تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَاب بلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً) , ثم يقول في موضع آخر ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) هل حاولت أن تمسك ورقة في آخر يومك لتسجل فيها ماذا فعلت من حسنات وماذا فعلت من سيئات؟! جرب مرة لترى أي الكفتين أرجح ؟ جرب مرة قبل أن تنام , خذ ورقة واكتب فيها وارصد فيها أين أخطأت, أين أصبت.

 أيها الناس الإسلام يريد جماهير تتساءل , لا يريد جماهير تسمع فقط, يبدو أن جماهيرنا العربية والفلسطينية قد تحولت الى  جماهير استهلاكية ليس حتى في الجانب المادي فحسب , حتى في الجانب المعنوي الديني والثقافي , هي تتلقى ثم ينفذ من ينفذ, و يترك من يترك . نريد أن نتحول إلى مجتمع تروج فيه حركة المراجعة وحركة السؤال وحركة النقد , وأنا قلت ان الله تعالى عندما فتح أمامنا باب الاستغفار,  إنما يريد منا ذلك. اسمع مثلا هذا الحديث والله تعالى - وأنا أركز على هذه المسالة- يغرس في قلوبنا الأمل لا تقعد بنا الأخطاء ولا تكبلنا الخطايا, إنما ننطلق نحو وجه الله , ونحن مدججون بالأمل والعزيمة , قال -صلى الله عليه وسلم - : " ان رجلا قال والله لا يغفر الله لفلان"  هناك بعض العباد المغرورين هذا رجل عابد رأى أخاه مقصرا , ويلقاه دوما على ذنب من الذنوب , فيقول له: أقصر عن هذا الذنب , ثم قال له - المخطئ المذنب-  قال له: " خلني وربي, أبعثت علي رقيبا, خلني وربي"  فقبض الله أرواحهما ثم قال الله للعابد: " أكنت بما لدي عالما أو على ما في يدي قديرا  , خذوه إلى النار, ثم أمر بذلك المخطئ أن يأخذوه إلى الجنة "  وليس في هذا تهويل لقيمة العمل أيها الإخوة , بقدر ما هو تصدي لحالة الغرور التي يتنفس بها بعض الناس , ان الله تعالى اعلم بعباده قال " ان الله لا يغفر لفلان أو لن يدخل فلان الجنة"  فقال الله :" من هذا المتألي علي قد غفرت له وأحبطت عملك" . وهناك في كتب الصحاح حديث في غاية الروعة يتكلم عن ستر الله للإنسان في الدنيا والآخرة , أنت هل تعرف ما معنى اسم الله الغفار؟ (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) , الغفار هو الذي يظهر الجميل ويستر القبيح, فالله سبحانه و تعالى يظهر الجميل ويستر القبيح ,أظهر أجمل ما في بدنك وأخفى القبيح , القبيح في باطن بدنك وفي باطن كيانك  أخفاه, أخفى الله تعالى وساوسك وما تحدث به نفسك  , أخفى الله أخطاءك وخطاياك عن الناس , سترك .

أبو العتاهية شاعر الزهد يقول:

أحسن الله بنا أن الخطايا لا تفوح             فإذا المستور منا بين جنبيه فضوح

 بالله عليكم لو أن الذنوب لها رائحة هل يستطيع أحد منا أن يجلس مع الآخر , لو أن الذنوب والأخطاء,  أخطاء اللسان وأخطاء العين وأخطاء اليد وأخطاء الأذن وأخطاء القدم وأخطاء القلب , لو أن هذه الأخطاء لها رائحة ,

أحسن الله بنا أن الخطايا لا تفوح             فإذا المستور منا بين جنبيه فضوح

 ولذلك الله غفار يستر القبيح , ويظهر الجميل , قال- صلى الله عليه وسلم – : " إن الله يوم القيامة يدني منه العبد (يقربه) حتى يضع كنفه عليه ( الكنف هنا الستر والعفو واللطف الإلهي ) ويستره من الناس , ثم يقول الله له : أي عبدي هل تعرف ذنب كذا فيقول نعم يا رب , ثم يقول له هل تعرف ذنب كذا فيقول نعم يا رب , فيقول هل تعرف ذنب كذا ثلاث مرات, وكل مرة يقول لا يستطيع ان ينكر (هل يستطيع ان ينكر أمام الله ان الله كان عليكم رقيبا , لا يمكن في كل مرة يقول نعم يا رب نعم يا رب) حتى إذا قرره بذنوبه كلها ورأى الإنسان انه قد هلك, يقول الله له لقد سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم" هذا فضل كبير نحن نتعامل مع رب رحيم ودود يريد بنا الخير  ( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً) , (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً). سترتها عليك في الدنيا و أغفرها لك اليوم.

 ماذا يقول ابن عطاء الله ؟ يقول ابن عطاء الله :" من أكرمك ( أي من مدحك و أثنى عليك ) فإنما أكرم فيك جميل ستر الله عليك , (وفي حقيقة الأمر أكرم الستر الإلهي عليك), فالفضل ليس لمن مدحك وشكرك , وإنما الفضل لمن سترك " هو لماذا شكرك ؟ لأنك أنت في ظاهر الأمر في أحسن الأحوال,  هو يقول ابن عطاء الله في حكمة أخرى,  يقول:" الناس يمدحونك بما يظنونه فيك , فكن أنت ذاما لنفسك بما تتيقنه منها  ( موقف الناس منك موقف ظن , لكن موقفك أنت من نفسك موقف يقين. أنت أعلم بنفسك فإذا مدحك الناس بالظن فذم نفسك باليقين , لا تخدع نفسك , الناس يمدحونك بما يظنونه فيك ,فكن أنت ذاما لنفسك بما تتيقنه منها), فمن الغباوة ان تترك يقين ما عندك لظن ما عند الناس " (هذا كلام صحيح أم خطأ؟,  هذا كلام خطأ كيف تترك يقين ما عندك, أنت أدرى بنفسك لظن ما عند الناس ) ولذلك يقول :" اذا من مدحك فإنما مدح وأكرم و أثنى في الحقيقة على جميل ستر الله عليك , فالفضل لمن سترك وليس لمن شكرك" فيا أخي ويا بني ويا أختي : لابد أن ننهض جميعا من كبوتنا, انهض من كبوتك وتب الى الله , وجدد حياتك واستغفر الله آناء الليل وأطراف النهار , و ردد مع المؤمن الصادق الذي يناجي ربه ويقول:"  يا ربي ان أبعدت عنك فان لي طمعا برحمتك التي لا تبعد "  هل تبعد رحمة الله؟ ( إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ),

 

 يا ربي ان أبعدت عنـــك                           فان لي طمعا برحمتك التي لا تبعد

 يا ربي مالي غير عفوك ملجأ                            ولعلني عن بابه لا أطرد

 يا ربي هب لي توبة أقضي بها                          دينا علي به جلالك يشهد

 من أي بحر غير بحرك أستقي                          ولأي باب غير بابك نقصد

الذي يرى الشيب في رأسه ووجهه, فعليه أن يسارع بالتوبة والاستغفار فهذا نذير من نذر رحيم من هذه الدنيا , فيا من وخط الشيب رأسه وانتشر في وجهه , سارع فاستغفر الله ,  تخفف من الدنيا تخفف من أحقادك , الشيب نذير الهرم ( التقدم في السن) نذير , البصيري يقول:

فإن أمارتي بالسوء ما اتعظت                       من جهلها بنذير الشيب والهرم

الشيب نذير الهرم نذير يا من أحس بدبيب المرض في بدنه , الى متى تنتظر؟ المرض نذير, الهرم نذير, الشيب نذير , المرض نذير , موت الأقران المساوين لك في السن والعمر نذير, موت الفجأة هذا نذير , لابد أن نتحرك أيها الإخوة وأن ننهض و أن نتوب.

من فضل الله علينا ان الله تعالى فتح لنا أبواب الاستغفار وسخر لنا الملائكة تستغفر لنا, حتى الملائكة أرأيت مثل هذا الفضل؟ يقول الله تعالى: ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ,رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ,وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) , أبواب مفتحة وملائكة تدعو, ورب يتقبل , ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

 

 الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

من المسالك و الأساليب التي لا يرضاها الإسلام ويرفضها , التناقض بين الشعار والمضمون, أن ترفع شعارا ثم لا تنفذه ,أن تقول كلاما ثم لا تطبقه  (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ , كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) .

في الصراعات السياسية الأحزاب أو القوى السياسية وهي في المعارضة لها خطاب , وعندما تصل إلى السلطة لها خطاب آخر وعندما تخرج من السلطة ترجع إلى خطاب ثالث إذا كان الخطاب القديم قد استنفذ أغراضه , هذه مسالك الإسلام يأباها ويرفضها يقول تعالى وهو يحدثنا عن بعض هذه النماذج ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ , فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ,فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ) , ويقول لصنف آخر يحبون الوجاهة والصدارة يقول (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) أي إن حكمتم الناس و تأمرتم عليهم, أنتم عندما يستخلفكم الله فأنتم أمام امتحان , ولذلك الآية التي نستشهد بها دائما في حديثنا عن بني إسرائيل عندما قال موسى لقومه ( قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) , هل تطبقون الشعارات التي رفعتموها أم لا؟ .

يروى في كتب التاريخ أن موكبا ضخما لخالد القصري -وهذا كان أميرا في العراق لهشام ابن عبد الملك الخليفة الأموي -وكان له موكب شرطة ضخم فمر هذا الموكب على قاض شهير اسمه - ابن شبرمة -  فرأى ابن شبرمة هذا الموكب الضخم ونظر إليه وقال- وهو يعرض بالسلطة والحكومة والدنيا والجاه والرئاسة- قال:

أراها وإن كانت تحب كأنها         سحابة صيف عن قريب تقشع

 يتحدث عن رئاسة الناس والسلطة والحكومة وعن الوجاهة عندما رأى الموكب الضخم موكب الشرطة موكب خالد القصري قال:   أراها وان كانت تحب كأنها         سحابة صيف عن قريب تقشع  

 اللهم لي ديني ولهم دنياهم ,  لا رغبة لي في شئ من هذا , لكن بعد مدة عرض الأمويون عليه القضاء عرضوا عليه منصبا فاستجاب لهذا المنصب,  فلما استجاب لهذا المنصب , وعمل في القضاء لصالح الأمويين , جاء ابنه الذي كان معه عندما رأى الموكب قال له يا أبت : " أتذكر ما قلت عندما مر علينا موكب خالد القصري" , قال نعم يا بني :" إنهم يجدون مثل أبيك الكثير, ولكن أباك لا يجد مثلهم" إن تركتهم فإنهم يجدون غيري الكثير لكن أنا لا أرى غيرهم حتى أستفيد منهم, نعم يا بني أذكر إنهم يجدون مثل أبيك الكثير ولكن أباك لا يجد مثلهم , وان أباك ضاق من حلوائهم وانحط في أهوائهم , لكن هل حقا هي حلوى أيها الإخوة ؟ أم أنها ربما كانت حلوى في هذه الدنيا؟ رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة, ورب حلاوة في الدنيا كانت مرارة وعلقما , المهم أن نسعى كأفراد ومجتمع للتطابق بين الشعار والمضمون , وبين ما نقوله ونحن معارضون وبين ما نقوله ونحن حاكمون.

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.