بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
فآن الأوان أن نستيقظ أيها الإخوة , أن يستيقظ النائم وأن يتذكر الناسي , إن بعد اليوم غدا , إن هذه الدنيا غمرة وسوف تنجلي, والله سبحانه و تعالى يقول: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ } , ربما كنا كذلك , ربما كنا في غفلة , ننشط لمصالح الدنيا , لكن الدار الآخرة ليس لها نصيب كبير من تفكيرنا , ومن سعينا, ومن كسبنا . علينا أن نستيقظ وأن نصحو وأن نحسن التوجه الى الله , نؤمل عنده الخير, ونرجو منه التوفيق والرشاد. نعم الله على الناس كثيرة {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } , { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} , { و ما بكم من نعمة فمن الله } لكن الإنسان قليل الشكر! أليس كذلك؟! {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} .
الابتلاءات في هذه الحياة والامتحانات كثيرة ومتعددة, لكن الإنسان قليل الصبر , أليس كذلك؟! إنه كثير الجحود والنكران, وكثير الجزع كثير الجحود أمام النعم التي تحيط به من كل ناحية , بدءا من النفس الذي تتنفسه والصحة التي تتمتع بها , و ما وضع الله ما بين يديك من رزق , نعم لا تعد ولا تحصى , هل قمت بشكرها؟ إن الآخرة قريبة منك , ليس بينك وبين الآخرة إلا أن يتوقف هذا النفس!! فتنتهي القصة! الإنسان قليل الشكر, قليل الصبر, كثير الجحود , كثير الجزع , كثير الذنوب والخطايا, وكثير التقصير فيما كلف به من واجبات , فما الحل إذا؟ لابد من الاستغفار, لابد من طلب المغفرة من الله –سبحانه و تعالى- ليغفر لنا تقصيرنا في الشكر , وليغفر لنا تقصيرنا في الصبر, وليغفر لنا ذنوبنا التي أحاطت بنا, وأخطائنا التي وقعنا فيها هذه الأخطاء, هذه الأخطاء نقع فيها بقلوبنا و حواسنا , العين تخطئ واليد تخطئ والأذن تخطئ واللسان يخطئ والقلب يخطئ عندما يمتلئ بالكبر والحقد و الخيلاء والافتخار, كل ذلك آفات , وليس أمامنا إلا أن نطرق باب ربنا راجعين إليه مستغفرينه من ذنوبنا , "كل بني ادم خطاء وخير الخطائين التوابون " .
يروى أن بكر ابن عبد الله المزني- وهو من فقهاء التابعين - كان في السوق ذات يوم, فرأى رجلا حمالا حمله على ظهره وهو يقول : " الحمد لله استغفر الله , الحمد لله استغفر الله " فانتظره – بكر- حتى وضع حمله ثم اقترب منه , وقال له: يا رجل أما تحسن غير هذا , "الحمد لله استغفر الله "قال :" بلى والله أحسن خيرا كثيرا, واقرأ كتاب الله, غير أني وجدت العبد بين أمرين: إما في نعمة تستوجب الشكر, وإما في ذنب يستوجب الاستغفار, فانا أحمد الله على نعمه السابغة , واستغفره لذنوبي وخطاياي" الحمد لله استغفر الله" فقال بكر: "حتى الحمال أفقه منك يا بكر" .
الفقه ليس لقلقة باللسان ولا حشو الدماغ بالمعلومات , الفقه يقظة الوجدان وحياة الضمير , هذا الرجل البسيط تأمل الحياة فوجد الإنسان يتقلب في واحد من أمرين: إما في نعمة لله تستوجب الحمد والشكر , وإما أنه في دائرة المعصية التي تحدثنا عنها, إما انه قليل الشكر , وإما انه قليل الصبر, وإما انه كثير الذنوب , وأما انه مقصر فيما أوجب الله عليه من تكاليف فهو يقول: " الحمد لله استغفر الله ".
ولقد فتح القرآن الكريم والسنة أبواب الاستغفار أمام المؤمنين وأمام المسلمين وأمام المخطئين , انظر إلى قول الله تعالى { وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }, وسارعوا تعبير لا يخفى إيحاءه على من يفهم دلالات اللغة العربية, سارعوا إلى مغفرة من ربكم , هذا هو الأمر الذي يحتاج الى مصارعة و الى ركض و الى جري والى بذل جهد لأن هذا هو المستقبل , وفي موضع آخر قال :{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }, هل يجرؤ واحد منا ان يقول إنه أدى حق الله كاملا؟ هل يجرؤ واحد منا ان يقول إنه قد فعل كل ما أمره الله به, وترك كل ما نهى الله عنه؟ هل يجرؤ واحد منا أيها الإخوة أن يدعي أنه مطهر من الذنوب ؟ من الذي ما ساء قط ؟إن ربنا ينادينا وسارعوا إلى المغفرة , هنا دائرة المصارعة هنا دائرة الجهد الحقيقي , عندما تحدث القرآن عن الدنيا والسعي فيها, قال- جل جلاله- في تعبير أيضا لا يخفى إيحاءه على من يعرف دلالات هذه اللغة , قال تعالى : {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ } , ألا ترى أن هناك فرقا بين قوله تعالى وسارعوا وبين قوله تعالى فامشوا؟ أليس هناك فرق أيها الناس ؟ لكن ما حالنا نحن أين نسرع وأين نمشي؟ أين نسارع ,في أي دائرة نسارع؟ وفي أي دائرة نمشي؟ إن الله سبحانه و تعالى يقول أيضا: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً }, ليس هناك ذنب يعجز الله تعالى. وانظر إلى هذه الآية المبشرة انظر واستمع إليها وتأملها, إن الله جل جلاله يقول {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً } , ماذا تريد بعد ذلك؟ لماذا هذا الخمول؟ لماذا هذه الغفلة ؟إلى متى هذا النوم؟ إلى متى هذا الغرق في هذه الدنيا وأهوائها وشهواتها؟ متى يستيقظ الناس؟{وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً } كم ستعيش أيها المغرق في الأحلام والآمال؟ إن الله تعالى يفتح أمامنا أبواب المغفرة , أبواب الرحمة , و في الحديث القدسي يقول الله -عز وجل- " يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم , {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ} . (اطلبوا الغفران مني توجهوا إلي , انهض يا أخي واستيقظ وانفض الغبار الذي علق بثوبك , وعلق بقلبك انهض يا أخي وواصل السير نحو الله تعالى , مغفرة وتوبة لا تيأس , لا تقنطوا من رحمة الله , ان الله يغفر الذنوب جميعا), إن نبينا - صلى الله عليه وسلم- يقول "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم , وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر الله لهم" , من أسماءه الغفار الغفور غافر الذنب , من صفاته يغفر الذنوب جميعا, انهض يا أخي تخفف من هذه الدنيا الكريهة , تخفف من هذا اللهاث وراء الأهواء و وراء الشهوات و وراء الدنيا ,استكثر من الحسنات استكثر من الأعمال الصالحة, إن نبينا -صلى الله عليه وسلم- كان كلما أصبح أو أمسى , قال ذلك الدعاء - الجليل الجميل العظيم الفخم-" اللهم أنت ربي لا اله إلا أنت ,خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ,أعوذ بك من شر ما صنعت, أبوء لك بذنبي ابوء بنعمتك علي فاغفر لي ذنبي ,انك أنت الغفور الرحيم " وقال عنه -صلى الله عليه وسلم- عن هذه الصيغة : "إنها سيد الاستغفار" واستحب للمسلمين أن يرددوها صباح مساء ,اللهم أنت ربي لا اله إلا أنت, الاعتراف بوحدانية الله خلقتني و وحدانيته و خالقيته وأنا عبدك وبعبودية الإنسان و أنا عهدك و وعدك ما استطعت ابوء لك بنعمتك علي , اعترف بالنعمة لك الحمد والشكر, أبوء بذنبي و اعترف بذنبي وتقصيري أستغفرك و أتوب إليك , لابد أن نستيقظ أيها الإخوة , لابد أن كما نغسل ثيابنا , كما يعمد أحدكم إلى ثوبه الذي اتسخ فيغسله و يحرص على نظافته , لابد أن يغسل كل منا عقله من ما لحق به من أوهام, لابد أن يغسل قلبه مما لحق به من آفات , لابد أن نستغفر ربنا صباح مساء, أعجبني هذا المؤمن الذي يناجي الله تعالى ويستحث الناس للتوبة والعبادة والتوجه الى الله , و يهيب بالغافل أن يسهو أن يترك دفء الفراش وأن يتحرر من استرخاء البدن, وان يؤمل في الله الخير كله :
قم في الدجى يا أيها المتعبد حتى متى فوق الأسرة ترقد
قم وأدعو مولاك الذي خلق الدجى والصبح وامضي فقد دعاك المسجد
واستغفر الله العظيم لزلة واطلب رضاه فبابه لا يوصد
واضرع وقل يا ربي عفوك إنني من غير عفوك ليس لي ما يعضد
أسفا على عمري الذي ضيعته تحت الذنوب وأنت فوقي ترصد
يا ربي لم أحسب مرارة مصدر عن زلة قد طاب منها المورد
يا ربي قد ثقلت علي كبائر بإزاء عيني لم تزل تتردد
قم في الدجى يا أيها المتعبد , {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } , أليس هذا قرآنا , لو خفت من إنسان مثلك لما غمض لك جفن لكن الإنسان منا يتحول إلى جثة خامدة وكأنه لا يتلو قول الله تعالى {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } ,حتى متى فوق الأسرة ترقد (و بالأسحار هم يستغفرون ) , ( و المستغفرين بالأسحار) , قم و ادع مولاك الذي خلق الدجى , (خلق الليل والنهار) والصبح وامضي فقد دعاك المسجد واستغفر الله العظيم لزلة , واطلب رضاه فبابه لا يوصد , ومهما كانت زلتك يا أخي فكما ذكرت أنها لا تعجز الله.
ان حكيم الاسلام - ابن عطاء الله السكندري - يقول - وهو يستبطن القران والسنة النبوية وهو يقدم فهما عظيما للإسلام- يقول :" لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله , فان من عرف ربه استصغر في جنب كرامه ذنبه" تقول هذا ذنب كبير ماذا أفعل لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله ,فان من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه , والإمام الشافعي - رحمه الله - يقول : "تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما" قم وانهض يا أخي لا يأس, ويقول ابن عطاء الله -أيضا الرجل الذي يناجي ربه -يقول :يا ربي قد ثقلت علي كبائر , بإزاء عيني لم تزل تتردد , لم تغب عني لأن المؤمن يرى ذنبه كأنه جبل يريد أن يقع على رأسه , والمنافق يرى ذنبه كأنه ذبابة على أرنبة أنفه, لا يحاسب نفسه, ابن عطاء الله يقول : " إذا وقع منك ذنب فلا يكن سببا في يأسك من حصول الاستقامة مع ربك , فقد يكون ذلك أخر ذنب قدر عليك" سمعت يا أخي كيف يا أخي تفتح أمامنا الآفاق, كيف تفتح أمامنا أبواب الرحمة.
وما أجمل ما يقوله أيضا شاعرنا الذي يناجي ربه :
يا ربي لم أحسب مرارة مصدر عن زلة قد طاب منها المورد
ما معنى هذا؟ معنى هذا انه لم يحسب مرارة نتيجة المعصية , لم يحسب مرارة مصدر عن زلة قد طاب منها المورد , الزلة عندما تباشر الخطيئة عندما تباشر اللذيذة ولكن عندما يخلو بنفسه الإنسان ويحاسب نفسه , يحس أن المعصية قد مضت في طريقها وبقي الندم بقيت المرارة , الطاعة تذهب بتعبها وتبقى نتيجتها السعيدة , المعصية تذهب بلذتها وتبقى مرارتها
يا ربي لم أحسن مرارة مصدر عن زلة قد طاب منا المورد
المورد طاب والمصدر مر, نسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا وأن يرزقنا اليقظة أن يوقظنا من نومنا أن نبدأ صفحة جديدة مع الله ومع أنفسنا ومع الناس جميعا أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
خصوم الإسلام أعداء الإسلام يصنفون الحكم الإسلامي في دائرة الحكم الفردي , أي في دائرة الحكم الاستبدادي, وكثير من الدارسين يقول ان الحكم الديني الذي يحكم الحاكم فيه باسم الله , كأنه نائب عن الله يقولون : إنه حكم شمولي يستعبد الناس ويستبد بهم يلحقون الحكم الإسلامي بهذه الصورة النكدة , ربما استندوا في أحكامهم هذه على تجارب تاريخية أو تجارب واقعية تجارب حكمت باسم الاسلام لكنها لم تنجح في تقديم صورة جذابة وحسنة لدين الله , الحقيقة هم مخطئون عندما يسقطون تجارب البشر على الدين نفسه ,إن الأصل في الحكم الإسلامي أنه قائم على الشورى ولا قداسة للحاكم( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) , هذه الآية نزلت في مكة المكرمة , وتأكد هذا المبدأ مرة أخرى في المدينة عندما نزل قول الله تعالى في أعقاب غزوة احد ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر) , واحمد شوقي يلخص الاسلام ونظام حكمه في بيت واحد فيقول:
الدين يسر والخلافة بيعة والأمر شورى والحقوق قضاء
ليس هناك حاكم في الاسلام ينصب هكذا على صدور الناس , الحكم الصحيح هو الذي ينشأ عن الإرادة الحرة وعن الرغبة العميقة في طاعة الله ورسوله وتطبيق أحكام الشرع, هل الحكم الذي يعترف الاسلام به ؟صحيح !! إن الحكم والسلطة امتحان عسير لا ينجح فيه إلا الأقلون , وصحيح أن هناك تجارب تاريخية أساءت إلى الإسلام وان هناك تجارب واقعية باسم الإسلام لكنها لم تنجح في خدمة الإسلام , وفي جذب الناس إليه , لأنها لم تتنبه إلى مهمة الحكم في الإسلام.
إن الله تعالى قال لبني إسرائيل - خاطب بني إسرائيل على لسان موسى و هم يشتكون إليه من ظلم فرعون و من فساد فرعون و من الذي الذي أصابهم من فرعون -( عسى ربكم أن يهلك عدوكم وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) , الحكم إذأ امتحان! الحكم ليس وسيلة للتسلط أو ليس وسيلة للاستفادة الذاتية , كان هذا الكلام لبني إسرائيل لكنه أعيد أيضا للأمة الإسلامية , ففي سورة يونس يقول تعالى مخاطبا هذه الأمة {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } , هذا هو التحدي الحقيقي , أنت حاكم أنت سلطة السلطة والحكم ليست غاية في ذاتها! إنما هي وسيلة لتحقيق العدل, لتحقيق مقاصد الإسلام , لتحقيق أهداف الشريعة الإسلامية, هو تحدي بلا شك , وقليل من ينجح فيه ويتجاوزه, لكن الإسلام لا يقر أبدا , هذا ردنا على أعداء الإسلام الذين يتهمونه بأنه حكم فردي الإسلام لا يقر الحكم الفردي , وإنما يقوم على الشورى لان الإسلام قائم على التوحيد الذي هو تحرير للإنسان -ن عقله وقلبه - الإسلام لا يقر الحكم الذي يقوم على القوة و ارهاب الناس , الإسلام لا يقر الحكم الذي يبغضه الناس في صدورهم ويستمد بقائه من قوته. إن الإسلام يقول خير أمراءكم من تحبونهم ويحبونكم , وشرار أمرائكم من تلعنونهم ويلعنونكم , فالحكم الذي يستمد بقاءه من الرهبة والعسف والناس تخفي بغضه أي كراهيته في صدورها لا يقره الإسلام , الإسلام يقر حكم الطواعية , الحكم الذي قام على الإرادة الحرة على العقد الوثيق بين الحاكم والمحكوم, وعلى الرغبة العميقة في طاعة الله ورسوله وخدمة الإسلام وتحقيق مقاصده, كذلك الإسلام لا يقر الحكم الذي يضمن لأصحابه المغانم والمآرب ويحمل الشعوب الأعباء والمغارم والتكاليف , هذه الملامح العامة لنظام الحكم الإسلامي نسال الله أن يهيئ للمسلمين رجلا رشيدا مؤيدا بنصره وبالمؤمنين.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.