بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد: أيها الإخوة:

 إن كلمة التوحيد - لا اله إلا الله -  ليست مقطوعة الصلة بالضمير والسلوك,  بمعنى :" أنها ليست كلمة تقال باللسان وكفى ,  إنما هي مشحونة بالمعاني التي ينبغي أن تستقر في نفس الإنسان  , وأن تمتد إشعاعاتها على سلوكه في الحياة " .. بأن يعتقد الإنسان:" أن الأمر كله لله ", ليس هناك من ينازعه الأمر , ( إِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ),( إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) بأن تسلم وجهك ونفسك وكيانك كله لله رب العالمين  {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شريك له } ,  {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً  } .

 التوحيد: أن يتعلق رجاؤك بالله وحده ,  لا يبهرك سلطان ذي سلطان , ولا مال ذي مال , لا يبهرك السلطان ولا يبهرك الجاه , ولا يبهرك المال .. التوحيد : ألا يحول شيء بينك وبين ربك.. ليست كلمة تقال باللسان وكفى .

 ولذلك اخترت لكم نصين لرجال - نضحت قلوبهم باليقين , وأشعت بالتوحيد - , فاستقر التوحيد في هذه القلوب وهذه الأنفس , ملك عليها أقطارها .

النص الأول دعاء جليل ورقيق وكما قلت ناضح باليقين ومشع بالتوحيد للإمام  جعفر ابن محمد الصادق- وهو سليل بيت النبوة هو جعفر ابن محمد ابن علي ابن الحسين ابن علي ابن أبي طالب - لنرى كيف هيمن التوحيد والنظرة الكلية لهذا الكون على قلوب هؤلاء المؤمنين الكبار.

 يقول جعفر في دعاءه الجليل :" اللهم احرسني بعينك التي لا تنام , واكفني بركنك الذي لا يرام , واحفظني بعزك الذي لا يضام , واكلأني في الليل وفي النهار , وارحمني بقدرتك عليّ ( خضوع وانقياد واستسلام مطلق لله سبحانه و تعالى واستبطان للقرآن الكريم  {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ } , التوحيد أن تعتقد أن الملك له وانه لا يعجزه شيء وأن سكان الأرض والسماوات لا يملكون معه حولا وطولا ,( وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) , فهو يتوجه إلى من بيده القدرة المطلقة اللهم احرسني بعينك التي لا تنام  , من ذا الذي يملك شئون هذا الكون , ونادى نوح ابنه وكان في معزل عندما شرع السفينة واخذ فيها المؤمنين {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ } , لكن الضلال السميك , الغي , الانحراف يحول بين الإنسان وبين الخيار الصحيح  {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء ( هذا منطق مادي جاهل محصور في حدود المادة وحدها)  قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ , وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } , ما أبشع الاستكبار والعناد وما أبشع الإصرار على الخطيئة وعلى الجهل !,  ما أبشع كراهية الحق! , ما أبشع كراهية النصيحة!  ) ," احرسني بعينك التي لا تنام , واكفني بركنك الذي لا يرام , واحفظني بعزك الذي لا يضام , واكلأني في الليل وفي النهار , وارحمني بقدرتك عليّ , أنت ثقتي ورجائي  , فكم من نعمة أنعمت بها علي قلّ لك بها شكري! وكم من بلية ابتليتني بها قلّ لك بها صبري! وكم من خطيئة ارتكبتها فلم تفضحني ! " (هذا هو التوحيد : أن تقر لله وأن تعترف , هو يتكلم عن معاقد الإيمان ,  يتكلم عن الشكر عند النعمة  , ويتكلم عن الصبر عند المصيبة  , ويتكلم عن التوبة عند المعصية والذنب , ثم يقر ويستشعر بكنف الله عليه , بكل هذه المستويات.. فكم من نعمة أنعمت بها علي قل لك بها شكري (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) ,( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ),( وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) , كم نرى بيننا من متذمرين شاكين دائما , وكأنهم يعيشون في جحيم متواصل , لا يحسون بنعم الله التي تحيط بهم , (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) ,( و ما بكم من نعمة فمن الله ) انظر إلى هذه المناجاة انظر إلى هؤلاء الموحدين , ليس التوحيد كلمة مقطوعة عن الضمير والسلوك )," فكم من نعمة أنعمت بها علي قلّ لك بها شكري ! وكم من بلية ابتليتني بها قلّ لك بها صبري! وكم من خطيئة ارتكبتها فلم تفضحني! فيا من قل عند نعماءه شكري  , فلم يحرمني! ويا من قل عند بلاءه صبري , فلم يخذلني ! ويا من رآني على الخطايا فلم يعاقبني ! "  ( ما معنى هذا الكلام؟ على ضوء عقيدة التوحيد أن الله تعالى قال : ( لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ) , وهو يقول : أنا لم أشكر شأني شأن الكثيرين , لكن الله واصل إمداده .. واصل عطاءه.. فيا من قل عند نعمته شكري فلم يحرمني , وإنما واصل عطاءه لي .. الله تعالى لا يؤاخذ الناس , ولو أن الله تعالى عاجل الناس بالعقوبة ما ترك على ظهرها من دآبة , وإنما يترك لك فرصة يا أخي كي تتوب وتؤوب وتصبر وتشكر. ويا من قل عند بلاءه صبري فلم يخذلني , ويا من رآني على الخطايا فلم يعاقبني , يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدا , من لك غير الله ؟ لماذا يطرق الناس أبوابا متعددة هنا وهناك ؟! لماذا يتعلق الناس بجهات متعددة هنا وهناك ؟ هل فهم الناس أن التوحيد كلمة تقال باللسان ؟ كلا  : إن التوحيد معنى وشعور يستقر في الضمير , وينعكس على السلوك , ليس هناك إلا الله , ثم يقول جعفر : " يا ذا المعروف الذي لا ينقضي , (اعتراف وإقرار ), يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدا , يا ذا الأيادي (النعم) التي لا تحصى عددا , يا ذا الوجه الذي لا يبلى أبدا , يا ذا النور الذي لا يطفئ سرمدا , أسالك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد , كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى أل إبراهيم , وأن تكفيني شر كل ذي شر,(  ثم انظر إلى هذه المناجاة وهذا التضرع وهو يقول عن الشريرين)  بك أدرؤه في نحره  , وأعوذ بك من شره , وأستعينك عليه , اللهم أعني بديني على دنياي  ( كل شيء في سبيل الدين ولا ينبغي أن يستغل الدين لشيء آخر , كل شيء في سبيل الإسلام , ولا يجوز أن يكون الإسلام في سبيل شيء , وإلا قلبنا الأمور, أليس كذلك؟!)  اللهم اعني على ديني بدنياي  ( سمعت يا أخي أنا اعرف أن الجو حار جدا , وتذكرت غزوة تبوك عندما اعتذر بعض الناس عن السير مع النبي  - صلى الله عليه وسلم  - لأن الدنيا حر وكانت غزو تبوك في شهر قائظ  - شهر أغسطس آب - وكان عليهم أن يسيروا مئات الكيلو مترات من المدينة إلى تبوك , وقد أخذ بهم العطش كل مأخذ , حتى كان أحدهم يشق بطن بعيره ويشرب ما فيه من ماء!, ثم يأخذ متاعه فيضعه على كتفيه ويسير مع النبي  - صلى الله عليه وسلم -  نحن في مراوح وفي ظلال وعلى سجاد , ولكن نتململ ونضعف , الهمم فترت, {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } , لابد أن ننهض هممنا أيها الإخوة , وإلا كيف سينتصر ديننا , وكيف سينتصر وطننا؟! وكيف سننتصر بهمم فاترة , وطموحات متواضعة ؟! ) بك أدرء في نحره وأعوذ بك من شره وأستعينك عليه اللهم أعني على ديني بدنياي , وعلى آخرتي بالتقوى واحفظني فيما غبت عنه  , ولا تكلني إلى نفسي فيما حضرته , يا من لا تضره الذنوب ولا تنقصه المغفرة اغفر لي مالا يضرك , وهب لي مالا ينقصك , ( اغفر لي مالا يضرك ما معناها ؟ اغفر لي الذنب إقرار التوحيد : أن تقر بالعبودية المطلقة أمام الإلوهية الكاملة , الاحتكام إليه.. مرد الأمور .. إليه الرجاء  ..فيه التعلق به.. الخوف منه ..التوكل عليه ..يقين يملئ القلب ..ويملك أقطار النفس .. هذا هو التوحيد هذا هو الدين  ) يا من لا تضره الذنوب ولا تنقصه المغفرة , اغفر لي مالا يضرك  , وهب لي مالا ينقصك , يا الهي أسألك فرجا قريبا وصبرا جميلا  , وأسألك العافية من كل بلية  , وأسألك الشكر على العافية , ماذا تلاحظون هنا ياايها الإخوة ؟ انه يسأل الله العافية ويسأل الله أن يهبه الشكر على العافية , فكله منه وإليه , كله من الله تعالى والله هو الذي يوفقك للعبادة , عندما تعبد الله عندما يقول الله تعالى (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم) , وهبهم هذه الأنفس وهذه الأموال ثم اشتراها منهم , أليس هذا ربحا كبيرا؟! هو يسأل الله العافية ويسأل الله أن يهبه الشكر على هذه العافية , ويسأل الله دوام العافية , هذا هو التوحيد المطلق ( إِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) , ثم يقول وأسألك دوام العافية وأسألك الغنى عن الناس , التعلق بالناس عجز , الرجاء في غير الله حماقة , والله. هذا معنى" لا اله إلا الله"  التي تقولها مئات المرات في اليوم  "لا اله إلا الله " لا تتعلق بغير الله , لا ترجو غير الله ), وأسألك الغنى عن الناس , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم , اللهم بك ادفع مكروه ما أنا فيه , وأعوذ بك من شره , يا أرحم الراحمين"  هذا نص بسرعة وإيجاز دعاء عظيم لجعفر الصادق  - رضوان الله عليه  - .

النص الآخر هو نص شعري وهذه قصيدة أنا قرأتها  - وأنا طالب في الإعدادية نشرتها مجلة اسمها الوعي الإسلامي  -  كانت تصدر في الكويت - وهي ربما يحفظها الكثيرون من المثقفين أو الدارسين - لكنها أيضا تشع بمعاني التوحيد  , و تنضح بمعاني اليقين  , وهي شرح وافي لـ "لا اله إلا الله" يقول صاحبها :   

   بك أستجير ومن يجير سواك          فأجر ضعيفا يحتمي بحماك

هذا ترجمة للقرآن الكريم لأن الله سبحانه و تعالى يقول {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } , {قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } , الجوار جوار الله والعزة عزة الله :

           بك أستجير ومن يجير سواك              فأجر ضعيفا يحتمي بحماك

           يا مدرك الأبصار والأبصار              لا تدري له ولكنهه إدراكا

ماذا يقول القران الكريم إن الله تعالى يقول (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) , محيط عالم جل جلاله

         يا مدرك الأبصار والأبصار              لا تدري له ولكنهه إدراكا

         إن لم تكن عيني تراك فإنني               في كل شيء أستبين علاك

انظر حولك يا أخي انظر إلى السماوات , انظر إلى الأرض {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } , انظر إلى آيات الله في هذا الكون , كان النبي  - صلى الله عليه وسلم - عميق الشعور جياش العاطفة تجاه التوحيد والإيمان لا تمر أوقاته إلا بذكر , إذا أصبح " بك أصبحنا وبك أمسينا , وبك نحيا وبك نموت , أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله  , لا شريك له , لا اله إلا هو إليه النشور "  كان يتفنن  - صلوات الله وسلامه عليه - في صيغ التحميد والتقديس و التسبيح والعبادة الخالصة لله ,  " يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك , بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم , اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله  , لا اله إلا أنت ", وهذا باب واسع :  

                         إن لم تكن عيني تراك       فإنني في كل شيء أستبين علاك

ثم يلفت نظر النائمين والغافلين إلى آيات الله فيقول :

                        لله في الأفاق آيات                    لعل أقلها هو ما إليه هداك

هذه الآيات التي تراها ربما كانت هي الأقل في هذا الكون {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ , وَمَا لَا تُبْصِرُونَ } , {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} .

           ولعل ما في النفس من آياته             عجب عجاب لو ترى عيناك

            والكون مشحون بأسرار                إذا حاولت تفسيرا لها أعياك

شيء مؤلم عندما تقرأ قول الله تعالى تحس بالضعف وتحس بالتقصير {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } , ثم يقول و يلفت أنظارنا إلى جملة من الآيات ربما نسيانها في زحام الحياة و هو يقول  :

        قل للطبيب تخطفته يد الردى              يا شافي الأمراض من أرداك

الناس يذهبون بالطريق إلى الطبيب وإذا بالطبيب يموت , لابد أن نستشعر أيها الإخوة , أنا أعرف أن هذه قضايا ربما يقول البعض أنها معاشة أو معروفة , لكن المشكلة في تجسيد هذه المسائل الإيمانية حتى نكون خلقا آخر:

        قل للطبيب تخطفته يد الردى               يا شافي الأمراض من أرداك

       كل جنين يعيش معزولا بلا                 راع ومرعى ما الذي يرعاك

       وإذا يرى الثعبان يلفث سمه                 فاسأله من ذا بالسموم حاشاك

       واسأله كيف تعيش يا ثعبان                 أو تحيا وهذا السم يملئ فاك

       واسأل بطون النحل كيف تقاطرت        شهدا وقل للشهد من حلاك

       بل سائل اللبن المصفى كان                 بين دم وفرث ما الذي صفاك

هذا كله في القرآن الكريم , لكن هؤلاء المهتدين يصوغونه نثرا وشعرا ويتفننون في التقرب إلى الله.. اقرأ معي آيات سورة النحل اقرأ معي , صفحة كاملة من سورة النحل يقول تعالى {وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ , وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ( ما معنى الفرت ؟ الفرت : الأمعاء و الكرش, هل تذكرت يوما و كأس اللبن بين يديك هذه القصة الطويلة من أين جاء هذا اللبن , أم أنك التهمت الكأس و مضى كل شئ في سبيله) , وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ , وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ , ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ , َاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ , وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ , وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} , التوحيد يا سادة ليس كلمة تقال , التوحيد قضية تستقر في الضمير وتنعكس على السلوك . أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم .

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

فيقول الشاعر أيضا :

             نفسي إلى ما ضرني داعي              تكثر أوصابي وأوجاعي

             كيف احتراسي من عدوي               إذا كان عدوي بين أضلاعي

الناس والأمم والشعوب والجماهير تعرف أعدائها عندما يكونون على الحدود والأبواب ..هذا الذي يحمل السلاح ويهدد حدود بلدك هو عدو,  لكن المشكلة أن الناس يذهلون أو لا يعرفون أعدائهم المنبثين في داخلهم. العدو الخارجي يعرفه الناس ويحمل السلاح ويتهدد البشر والوطن , لكن لا يعرفون أعداء الداخل

             نفسي إلى ما ضرني داعي              تكثر أوصابي وأوجاعي

             كيف احتراسي من عدوي               إذا كان عدوي بين أضلاعي

 والقرآن الكريم دائما يحذرنا من مشكلاتنا الداخلية, يقول جل جلاله {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ } , وفي تعقيبه عن غزوة احد {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } , هو يعتبر الخطر الخارجي كأنه لا يقاس بالخطر الداخلي,  المهم أن تكون جبهتك الداخلية متماسكة وقوية , وعندئذ يتلاشى الخطر الخارجي (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ) , المهم كيف جبهتك الداخلية؟ ما أوضاعها ما حالها؟ هذا شيء مهم جدا.. أحيانا الأخطار الداخلية الناس لا ينتبهون إليها لأنها ليست أشخاصا ربما كانت معاني (أمور معنوية) الجهل عدو خطير ,الفقر عدو خطير , المرض , الكسل, حب الظهور, حب الجاه , حب الذات , التعصب , التنازع , تحدث القرآن عن ذلك كله لكن الناس لا يعرفون من أعدائهم إلا من حمل السلاح ووقف على الحدود وهددهم,  أما آن لنا أن ننظر ونتأمل في الأخطار التي تتهددنا من الداخل هناك أخطار داخلية تتهددنا كيف نستطيع مواجهتها وهناك أيضا أشخاص أو نماذج بشرية هي خطيرة جدا, لا تقل خطورة عن الأخطار الخارجية , لكن لأنها تتزيا بأزياء قد تخدع الناس أو لأنها مغلفة بأغلفة ربما كانت مزوقة, مثلا السياسي الكذوب اللعوب الذي يقول اليوم أنكره بالأمس, وينكر بالغد ما قاله اليوم هذا خطر على أمته ,هذا السياسي المحترف الذي يرتزق من وراء عمله هذا , لا حرفة له غير هذه الأكاذيب, هذا خطر على الأمة , الصحافي أو الكاتب المتملق المرتزق الذي لا يكتب إلا ما يريده ولي نعمته , رجل الدين الذي يأكل الدنيا بالدين لا تستغربوا هذا , إن القران حدثنا عن نماذج من رجال الدين تأكل الدنيا بالدين {إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} , التاجر الذي يشتري السلعة بقرش فيريد أن يبيعها بعشرة , وعند اختفائها يبيعها بعشرين,  هذا عدو خطير.. ربما تراه يهتف مع الهتافين كما يهتف ذلك السياسي الكذوب اللعوب . إن مصائبنا الداخلية ليست هينة أيها الإخوة! السياسي الصحافي رجل الدين التاجر القاضي الموظف و قس على ذلك , من يتلاعب بمصائر الناس , أفات المحاباة والمحسوبية كل اؤلئك أخطار تتهددنا في الداخل. أيها الإخوة إننا ضعفاء بالمقاييس المادية وإننا قلة وإننا نعيش مرحلة عصيبة وكل هذه الحيثيات تحتم علينا أن يقترب بعضنا من بعض , أنا أقول والله لإخواني السياسيين : اصدقوا لا تكونوا كاذبين التزموا بالمبدأ , لا تجعلوا أهدافكم الضيقة والخاصة مقدمة على أهداف الأمة , لا تخدعوا هذا الشعب المسكين من عشرات السنين أو ربما أكثر, وهذا الشعب ينتقل من حفرة إلى حفرة ,هذا شعب محترم وشعب كريم وشعب ضحى وصبر , خذ مثالا واحدا قضية الاعتقالات التي نسمع حديثا متبادلا فيها هل هذا الشعب بعد هذه السنوات العجاف من الاحتلال - أكثر من أربعين سنة-  وأكثر من عشرة آلاف سجين ما زالوا في سجون الاحتلال هل هذا الشعب المسكين المضطهد في حاجة إلى سجون أخرى ,هل مواهب الحكومات التي تأتينا حكومة بعد حكومة فقط في بناء السجون , وإذا غابت السجون بأمر ما تفننوا في إيجاد السجون. ما هذه المصيبة ؟ إن شعبنا المضطهد المظلوم يحتاج إلى قدر أكبر من المصداقية والإخلاص,  ولقد قلت يوما ما :لان عجزتم أن تكونوا كعمر ابن عبد العزيز أو كنور الدين محمود أو كعمر ابن الخطاب فلا أقل من أن تكونوا - سأقولها وأتحمل مسئوليتها - لا اقل أن تكونوا كأعدائنا في إخلاصهم لشعوبهم , ربما عجزتم أن تكونوا كعمر ابن عبد العزيز او ابن الخطاب . إن الأمة العربية والإسلامية ونحن جزء منها اليوم تحتاج إلى رواد محترمين صادقين ,  يقودها إلى الخير والهدى والنجاة.

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.