بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين أما بعد:

أيها الإخوة :

 تناقلت وكالات الأنباء أخبار الذبابة التي أزعجت الرئيس الأمريكي  , فتذكرت ذلك العالم الجليل,  الذي دخل على احد الملوك  , فأراد الملك أن يتندر بالعالم  , فقال له :  " لماذا خلق ربنا الذباب ؟! "  يريد أن يروح عن نفسه الملك ,  لكن العالم أجابه جوابا جادا  ,  قال له  : " ليذل به الملوك ", الملك المحاط بالحرس والخدم والحشم ,  تخترق الذبابة عليه خلوته ,  فتزعجه ! وصدق الله العظيم حيث يقول { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ }, فالملك الذي لا يستطيع احد من العامة أو الجماهير أن يصل إليه ,  تصل إليه الذبابة ,  فتحط على أرنبة أنفه ,  ولا يستطيع منها فكاكا ,  والله بالنسبة لهم :  ربما استطاع الناس أن يناقشوهم وأن يهتفوا ضدهم. البلاء عندنا  في بلاد العرب والمسلمين ! حيث يسمى قصور الحكام في غالب الأحيان تسمى قصور الشعب ! , والشعب لا يعرف إليها طريقا ولا يعرف إليها سبيلا ,  على عكس ما يحدده الإسلام من مهمات للحاكم في الأمة الإسلامية. وللأسف أخشى أن نقع فيما نهى عنه بعض المتحدثين في لقاء له مع مجلة محلية ,  وهو يتحدث عن مسألة الولاء والبراء في الإسلام ,  وقال مما قال : "  إن من مظاهر الولاء الذي يخرج من الملة , أن تتحدث عن مدنية الآخرين أو عن فضائلهم أو عن حسناتهم غاضا الطرف عن فساد عقائدهم" , يا أخي: عقيدته الفاسدة وزرها عليه , لكن فضائله السلوكية لي و له وإن أردت أن تحقق البراء حقا وصدقا ,  فليس البراء مقصورا على القطيعة مع الناس بمناسبة أو غير مناسبة ,  أو بافتعال العداوات التي لم يشرعها الله ,  إنما القرار تحقق عندما تتبرأ من الضعف ,  وعندما تتبرأ من العجز ,  وعندما تتبرأ من التجزئة  التي جلبت عليك الدمار والهلاك ,  تبرأ من الظلم  , وهذا هو جوهر البراء حتى عندما نتبرأ من بعض طوائف البشر ,  إنما نتبرأ منهم لظلمهم وجبروتهم وطغيانهم .  أحيانا يخيل إلي وأنا اقرأ مثل هذه الموضوعات لبعض الناس ,  يخيل إلي كأننا عنصريون كأننا نتكلم بنفس عنصري يأباه الإسلام ويأباه الله.

  اسمع هذا الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم  : ذكر رجل من الصحابة- اسمه المستورد القرشي- قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  يقول : " تقوم الساعة والروم أكثر الناس "  فقال عمرو ابن العاص-  وكان جالسا- : أبصر ما تقول ( أي تأكد مما تقول)  قال  : "والله ما أقول إلا ما سمعت من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : تقوم الساعة والروم أكثر الناس " ,   وكأن هذا الأمر حير عمرو , لماذا يكون الروم أكثر الناس عند قيام الساعة؟؟ فبدأ يفكر في السبب ,  فأراد أن يتأكد أن النبي - صلى الله عليه وسلم -  قال هذا الحديث ,  فعندما أكد له هذا الرجل أنه سمعه من رسول الله ,  قال:  " أما وقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-  ذلك ,  فإن فيهم لخصالا أربعا" (مميزات حسنة) , إن الصراع الدائر بين المسلمين وبين الروم لم يقم حجابا أو حاجزا بين عمرو وبين أن يذكر ما لهم من حسنات أو من خصال حسنة  , إنما عندما نتحدث عن بعض الفضائل هناك ,  سواء في السلوك أو في مظاهر التقدم والحضارة ,  إنما نريد أن نحيي الأموات عندنا ,  وأن نوقظ النيام لأننا نحن أهل كتاب يتحدث عن ضرورة وضع اليد على أسرار هذا الكون ,  كيف نكون خير أمة أخرجت للناس و  نحن في ذيل القافلة إن الله تعالى قال (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ), هل نكون ذلك كذلك ونحن في السفح إن الله تعالى قال {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} , وهل يكون الجاهل شاهدا على ما عند الناس ,  ما هذا الحديث المتكرر عن البراء وعن الولاء بمعاني ضيقة ؟!  على كل حال  , قال عمرو ابن العاص  : " إن فيهم لخصالا أربعا  : أنهم أحلم الناس عند فتنة , وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة,  و أوشكهم كرة بعد فرة ,  وخيرهم لضعيف ويتيم ومسكين , و خامسة حسنة جميلة : وأمنعهم من ظلم الملوك" , هل هذه شهادة من عمرو ابن العاص خدشت ولاءه لله ورسوله والمؤمنين ؟ ! لا يا أخي كيف تتجرأ وتقول إن الحديث عما لديهم من فضائل وتجارب ومظهر من مظاهر الولاء المخرج من الملة ؟  هذا كلام غريب ينوء به كاهل الإسلام من بعض المتحدثين ,  الذين لو خدموا الإسلام بصمتهم لكان خير ا لهم وللمسلمين .  الولاء لله : ألا ترى في الوجود غيره  , أن تعتمد عليه في كل شيء أن تتوكل عليه وأنت تطلب النصر  , وأنت تطلب الرزق  , أن ترد أمرك كله إليه  {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ , أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ }, {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ } , أن تتوكل على الله , أن يضمحل وجود كل شيء في ظل وجوده سبحانه وتعالى , أو كما قال احدهم :

 

الله قل وذر الوجود وما حوى                              إن كنت مرتادا بلوغ كمال

فالكل دون الله إن حققته                                   عدم على الإجمال والتفصيل

وإعلم بأنك والعوالم كلها                                   لولاه في محو وفي اضمحلال

             من لا وجود لذاته من ذاته                               فوجوده لولاه عين محال

 

كل شيء ما خلا الله باطل ,  هذه العقيدة التي ينبغي أن ترسخ في نفوسنا ,  لكن هذه العقيدة لا يؤثر فيها أن تستفيد من تجارب الآخرين ,  أن تنفتح على الآخرين إن الله تعالى يقول(فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ  ), كيف نتبع الأحسن في القول ونحن محجوبون مغلقون منعزلون متعصبون ؟ كيف ؟  احلم الناس عن فتنة , وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة ,  و أوشكهم كرة بعد فرة ,  وخيرهم لضعيف ويتيم ومسكين ,  و أمنعهم من ظلم الملوك  , ما معنى أمنعهم من ظلم الملوك ؟  أنهم عصيون ,  لا يستطيع الحاكم المجنون أن يستخفهم  , لا يستطيع المستبد أن يصادر حرياتهم ,  وأن يدوس على كراماتهم ,  هذا المعنى معنىً إسلامي أم غير إسلامي ؟  فهل إذا أراد احدنا أن ينهض أبناء أمته وأن يحيي الموات  فيهم كان مادحا للآخرين ؟! وأين ذهب قول النبي  - صلى الله عليه وسلم – : " إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له يا ظالم فقد تودع منهم " ( تحولت إلى مجموعة أصفار , انكفأت على ذاتها و استحكمت فيها الأنانية , دار كل من أفرادها حول نفسه , إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له يا ظالم فقد تودع منهم,  انتهت أنها تغدو مجموعة من الهمل على هامش الحياة,  لا قيمة لهم) إن الله تعالى يأمرنا أن نكون قوامين بالقسط ,  نحن أمة شاهدة كونوا قوامين بالقسط شهداء لله {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} , هذه المعاني الإسلامية الإيمانية العظيمة هي التي ينبغي أن نتحدث عنها عندما نتحدث عن الولاء وعن البراء ,  لا نكون فقط خدما لجهة من الجهات , لا الإسلام اكبر منك واكبر من الجهة التي تخدمها , الإسلام اكبر منا جميعا . عندما اقرأ قول الله تعالى  {اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ , وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } , استيقظ يا أخي وفكر وأعمل عقلك  أعمل هذا الجهاز , فكر!  أين هو غواصات المسلمين في البحر ؟,  ماذا يملك المسلمون في البحار ؟ ماذا يملكون في الجو؟ وماذا يملكون في البر؟  إن مقتضى مثل هذه الآيات أن نكون اسبق منهم إلى هذه الاكتشافات وهذه الاختراعات. فلماذا عطلنا ما وهبنا الله ؟ ثم يأتي بعض الإخوة الأعزاء ليحدثنا أنك إذا تحدثت عن فضائل الناس وعن مدنيتهم وعن عدلهم ,  لماذا لا تسبقهم أنت إلى العدل ؟ حتى نتحدث عنك ! ,   إننا نفتخر بان أول آية في كتاب الله كان قول الله تعالى  {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } , لكن من الذي قرأ ؟ , إنهم قرؤوا  ولم نقرأ ! وكأن هذا القرآن أنزل عليهم  {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ } , من الذي أعد ؟  {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} , {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} إننا نعيش حالة من الاستبداد ممتدة ورائجة ,  من الأسرة حتى أعلى الهرم - كما يقولون-  هناك استبداد اسري ,  وهناك استبداد حزبي ,  وهناك استبداد سياسي ,  تعرفون ذلك أكثر مني هذه القضايا التي ينبغي أن تطرح ونحن نتحدث عن الولاء والبراء والعقيدة ,  لماذا يتفشى الظلم بيننا ؟ لماذا  ؟ إن عمر ابن الخطاب -  رضي الله عنه -  "  عندما جاءه الرجل مشتكيا من العراق على وال تجاوز في إيقاع العقوبة به ,  وحلق شعره ,  فجاء الرجل بصرة الشعر إلى عمر ابن الخطاب -إلى الرئيس الأعلى للدولة -  وألقى الصرة في صدره وقال : خذ انظر ماذا يفعل بنا ولاتك هناك " هذا جاء من العراق إلى المدينة لانه استشعر جو العدالة استشعر جو الأمن والمساواة ,  فألقي الصرة في صدر أمير المؤمنين وقال انظر ماذا يفعل بنا ولاتك هناك فقال عمر قولة عجيبة -ربما لا تخطر على بالي وعلى بالك – قال : "والله ما فرحت بفتح فارس والروم كفرحي بشجاعة هذا الرجل  " ,  إن الإسلام ينمي مشاعر الشجاعة والعزة , والبحث عن العدالة , والاعتراف بحقوق الآخرين في نفوس المسلمين ,  عندنا {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } وعندنا {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} عندنا { وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} , ماذا حققنا أيها الإخوة من ذلك؟ ماذا حققنا ؟ نقرأ  {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ}  إنهم استطاعوا أن يضعوا آليات لتنهي أي نزاع فيما بينهم ,  ونحن نغرق في أصغر نزاع ,  نغرق ولا نستطيع أن نحل هذا النزاع أو أن نعالجه . إن النبي - صلى الله عليه وسلم -  في حديث ذي دلالة أتمنى أن تفتحوا أعينكم وقلوبكم عليها جيدا يقول :" إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها, وإني أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض( في إشارة إلى ما تمتلك هذه الأمة من مقدرات مادية تغنيها على أن تتحول إلى متسول إلى يد سفلى ثم يتكلم عن البراء  حولتم الأمة إلى يد سفلى ثم يتكلمون عن البراء والدواء والغذاء والكساء من أين ؟ نحن نعمل جادين و ينبغي أن يكون هذا شغل كل المخلصين , أن تقف الأمة على قدميها وان تستغني عن الآخرين لكن أنت دواءك وكساءك غذاؤك , أنت عالة على الآخرين ,  يدنا السفلى أيها الأعزاء , ثم يأتي ليتحدث عن البراء وبشكل غريب عن الفهم الإسلامي ,  والله إذا كان لابد من البراء فلنبرأ الى الله من عجزنا وضعفنا وتعصبنا وجهلنا  , لماذا لا نتناول البراء بهذا المعنى ؟   لماذا ؟  إن كنا محبين حقيقيين للإسلام  , "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ,  وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها وإني أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض , وإني سألت ربي ألا يهلك أمتي بقحط (بجوع بأزمة اقتصادية ماحقة ) , وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ( عزهم وملكهم) ,  وإن الله قال لي :  " يا محمد إني إذا قضيت قضاء  , فانه لا يرد ,  وإني أعطيتك لامتك ألا أهلكهم بسنة بعامة  (وهذه ضمانة إلهية نبوية إن امتنا لن تهلك جوعا , لن تهلك بأسباب اقتصادية)  , وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم , ولو اجتمع عليهم من بأقطارها ( والضمانة الثانية من هذه الأمة لا تهلك على أيدي الغزاة الأجانب  , ولو اجتمعوا من جميع البلاد ,فما الذي يهلكها اذا؟)  حتى يكون بعضهم يهلك بعضا , ويسبي بعضهم بعضا" , الخطر داخلي أيها الإخوة  , فليتعاون المسلمون ولنتعاون في هذا البلد المنكوب لحل مشكلاتنا ,  لنغرس المحبة محل الكراهية ,  والوحدة محل الفرقة والعلم  والمعرفة , محل الجهل , ينبغي أن نفهم إسلامنا وان نفهم ديننا  , وأن نرد واقعنا إليه ردا حاسما ,  أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله غياث المستغيثين، الحمد لله صريخ المستصرخين، الحمد لله وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } وأشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان وقاوم الظلم والاستكبار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وأصحابه والتابعين أما بعد:

فمن عاداتنا السيئة أننا نخاف من الحديث عن أخطاءنا , نخشى مواجهة فشلنا , نحاول أن نبرر أو أن نعتذر , مع أننا أهل دين , نتحدث عن التوبة والاستغفار , ما معنى التوبة أيها الإخوة ؟ إن اصغر مسلم يعرف أن التوبة  هي: " الاعتراف بالخطأ" , والنبي -صلى الله عليه وسلم - كان يستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة  - كما جاء في الحديث -  وله صيغ ,  أتمنى أن يتدبرها المسلمون , الاستغفار والتوبة-  بالاصطلاح المعاصر - هي عملية النقد الذاتي :" استغفر الله العظيم  و أتوب إليه , اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي "  ولذلك القران الكريم يتحدث عندما تحدث عن تجارب إسلامية سابقة  , دائما كان يتحدث عن أن هؤلاء المجاهدين أنهم استغفروا ربهم قبل أن يطلبوا النصر منه ,  معنى أنهم استغفروا ربهم :  أنهم راجعوا أنفسهم , أنهم أحصوا أخطاءهم {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ , وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } , هل أدركت قيمة أن يقدم الاستغفار على طلب النصر ؟  هل أدركت ذلك يا أخي؟ هل أدركت ذلك يا من تقرا القران ؟ هل أدركت ذلك ؟ , لماذا نخاف من الحديث عن الفشل؟  ولماذا نحاول أن نبرر في التجارب التي فشل فيها المسلمون ؟  سجل القرآن ذلك {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ} ( في معركة أحد ) , سجل القران هذا ,  في معركة حنين سجل السبب ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ) و كانت النهاية : هزيمة! , لماذا لا يعترف أحد منا بفشله لماذا ؟  هذا في نظري راجع إلى الإعجاب بالنفس , و الأدهى من هذا هو التبرير و الاعتذار ,  ذكرني صديق لي بقصة وقعت إبان الاستعمار البريطاني لأحد البلاد,  وحدثت مواجهة بين المجاهدين الذين كان يقودهم شيخ والبريطانيين ,  هزم المجاهدين بقيادة الشيخ وفروا ,  لكن عندما فروا , فروا وهم يجرون جيادهم ويمشون بأقدامهم على الأرض ,  فالمريدون والتلاميذ قالوا لشيخهم الذي يجر جواده معهم,  قالوا له : "  يا مولانا اركب الجواد" , و هو يخشى أن يركب وان يركبوا جميعا لان اصطيادهم سهل وهم على ظهور الجياد ,  لكن الرجل للأسف لم يقل لهم السبب الحقيقي  , وإنما قال لهم :" كيف اركب وسيدنا الخضر يمشي معنا على قدميه "  ما دخل الخضر في هزيمتك ؟ ما دخل الخضر في فشلك؟  كيف أركب والخضر يمشي على قدميه معنا ؟ فقال له احد الأذكياء يا مولانا: " نحن هاربون من البريطانيين وسيدنا الخضر هارب ممن؟" , هذا المنطق الأعوج - الخوف من رؤية الأخطاء والخشية من الفشل - , جعلنا نكرر أخطاءنا و مآسينا منذ سقوط الخلافة على الأرض إلى يومنا هذا , الخلافة سقطت وإسرائيل قامت ثم سقطت القدس في عام 67 , ونحن نكرر الأخطاء نفسها , وكأننا المعنيون بقول الله تعالى  {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ }.

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.