بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين أما بعد:
فحديثنا اليوم عن الأمانة ، ولكنني سأتحدث عن الأمانة بشكل مجمل ، وأترك التفاصيل عن مستوياتها ودوائرها المتعددة إلى جمع أخرى إن شاء الله.
على كل حال، الأمانة هي حالة من يقظة الضمير وحياة القلب, تدفع باتجاه صيانة حقوق العباد وحقوق الله جل جلاله، الرجل الأمين هو صاحب ضمير حي، وقلب يقظ، يؤدي حقوق الله من فرائض وعبادات وكفارات ونذور, ويؤدي حقوق العباد، ولا يسمح لدواعي التفريق والإهمال أن تتحكم فيه من أعمال, والمجتمع الذى تغيب فيه الأمانة يسير إلى الهاوية, ما معنى أن تغيب فيه الأمانة؟ أن تموت ضمائر أهله ولا ترى النصيحة الصادقة ولا الاستشارة المخلصة, تغيب أمانة الكلمة، وتغيب الأمانة العلمية، وينتشر السطو العلمي، والسرقات الأدبية والمادية, غياب الأمانة حالة من الفوضى الفكرية والنفسية والاجتماعية تسود المجتمع, ولذلك جاء في الحديث عن انس رضي الله عنه انه قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال, أي في كل خطبة كان ينبه النبي ويذكر المسلمين بهذا الذي سنذكره يقول انس ما خطبنا رسول الله إلا قال:" لا إيمان لمن لا أمانة له, ولا دين لمن لا عهد له"، وكيف يجتمع الإيمان مع الخيانة؟ لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له.
وعندما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن القيامة، متى الساعة يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم:( إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، فقال الرجل: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله", إذا حيل بين أهل الكفاءة وما ينبغي أن يكون على رأسه من عمل وتقدم غيرهم من أهل الثقة ليسوا من أهل الكفاءة, المجتمعات السوية تتقدم الكفايات فيها , ان ضياع الأمانة والتفريط فيها في كل مستوياتها ودوائرها يؤدي إلى اضطراب كبير في المجتمع، فالأمانة إذن من عنوانين المجتمع الإسلامي الأساسية، حتى كان احدهم إذا فارق صاحبه وأراد سفرا يستعين بالله على حفظ أمانته فيقول له: استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، أعانك الله على حفظ الأمانة, يوصي بعضهم بعضا (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر).
والأمانة في معناها أيها الإخوة الأعزاء أوسع من المعنى الضيق الذي يتبادر إلى الذهن حفظ الودائع, ربما ظن كثير من الناس أن الأمانة حفظ الوديعة, وهذا من الأمانة بلا شك, لكن معنى الأمانة أوسع عندما تسمع قول الله تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ } , الأمانة هنا لا يمكن أن تكون الوديعة, العرض هنا بالمناسبة عرض مجازي تمثيلي، كقولنا على لسان الجدار عندما سأل الوتد قال للوتد لم تشقني؟ قال الوتد: اسأل من يدقني، ولا الجدار سأل ولا الوتد أجاب لكنه ضرب من المجاز، وكما يقولون, أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض, ولم يتكلم لا ثور ابيض ولا ثور اسود, إنما هي مجازات فالله تعالى خلق مظاهر الطبيعة من سماوات وارض وجبال ذات طبيعة واحدة مسخرة لا تملك من أمرها شيئا, إنما الإنسان خلقه بطبيعة مزدوجة، لديه إمكانات فعل الخير وفعل الشر, فالأمانة هنا هي المسئولية هي التكليف , الأمانة هي المسئولية والتكليف في كل المستويات والدوائر التي سنراها بإذن الله كذلك، النبي صلى الله عليه وسلم عندما يقول: " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ".
الأمانة المسئولية ، أن تقوم بمسئوليتك في الدائرة التي كلفت بها أن تكون صادقا ألا تخونها, فالإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل راع وهو مسئول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية والخادم في مال سيده راع.
من خصائص النظام الأخلاقي في الإسلام انه يعمل على إحياء الإحساس بالمسئولية العامة في ضمير المسلم ,الإسلام لا يريد ذلك الأناني غير المسئول, إنما هو يريد هذا الكيان الأدبي الذي يحس بمسئوليته تجاه كل ما يحيط به في علاقته بالله في علاقته بنفسه, في علاقته بالإنسان الأخر, وعندما تقرا قول الله تعالى {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } , هل خطر ببالك أن السمع والبصر والفؤاد أمانات لديك؟.
هذه الحواس أدوات المعرفة التي تصل من خلالها إلى المعرفة بالظواهر الاجتماعية والكونية والنفسية وما شابه, ولجلالة الأمانة في الإسلام وصف بها الأنبياء وعلى رأسهم نبينا صلى الله عليه وسلم النبي الخاتم كان يسمى قبل البعثة محمد الأمين. وعندما حاربه الجاهليون وتصدوا له لم يكن تكذيبا له حاشاه صلوات الله وسلامه عليه كما قال تعالى {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ } ,.
هناك دوافع أخرى هناك استكبار, هناك مصالح, هل تظن كل من يتصدى للحقيقة يمتلك دوافع موضوعية؟ كلا هناك دوافع مصلحة دوافع استكبار هناك نوع من الجحود فكان يسمى الأمين , موسى عليه السلام {وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ , فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } , قام بمسؤوليته دفعه الإحساس بالمسئولية تجاه الفتاتين أن يسقي لهما بأمانة وعفة {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ , قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } , فظهرت عليه مخايل الأمانة في عفته مع التعامل مع الفتاتين سقى لهما ثم تولى إلى الظل, أدى واجبه ولم يسكنه الغرور، وإنما لجأ إلى الله معترفا بفقره، وذكر وصف موسى بالأمانة في سورة الدخان في قوله تعالى {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ , أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } , ووصف يوسف عليه السلام بالأمانة عندما ثبتت أمانته وثبتت عفته لحكام مصر آنذاك, فقيل له( إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ)، وعندما رشح نفسه لإنقاذ اقتصاد مصر قال {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } , وهكذا يوصف بالأمانة قمم البشر الأنبياء لجلالة هذا الخلق ولعظمة هذه الصفة.
في سورة الشعراء تحدث الله عن خمسة أنبياء متتابعين وجاءت كلمة إني رسول أمين على لسان كل نبي من هؤلاء يقول الله تعالى {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ , إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } , {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ , إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } , {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ , إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } , {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ , إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } , {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ , إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } , فكان الأنبياء وهم يدعون أبنائهم, لان الأمانة من خصائص الأنبياء ولابد أن تنعكس على اتباع الأنبياء.
هود في سورة الأعراف على لسانه يقول الله تعالى {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ } , ليس هذا فقط بل الملائكة وصفوا أيضا بالأمانة، لتعرف يا أخي مقدار هذا الخلق، وكم تغفل المجتمعات عندما تغيب الأمانة, عندما تتلاشى الأمانة, في إنحاء المجتمع وفي دوائره {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ , نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ } , وصف الله تعالى جبريل بالأمانة {عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ , بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } , {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ , ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ , مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } , أيضا وصف بالأمانة الجن المؤمنون, عندما طلب سليمان من جنوده أن يحضروا عرش بلقيس {قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } , هذا مستوى الأمانة وفضلها الوجه الأخر الخيانة, عندما تقرا القران الكريم أيضا تجد تهديدا للخونة والخائنين والتهديد أخد ألوانا متعددة فهناك النهي المباشر الذي يوحي بحرمة الخيانة خيانة العهد خيانة الأمانات خيانة المسئوليات {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } , لا تخونوا قال صلى الله عليه وسلم:( يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب لا يكون خائنا ولا يكون كذابا).
المجتمع الذي تتلاشى فيه صفة الأمانة قد يكون مجتمعا مسلما بالشكل, بالانتماء التاريخي, أما في حقيقة الأمر,الخائن لا تفتح له أبواب السماء, الخائن لا يكون منتميا انتماء حقيقيا لدين الله, لا يكون لما وُكل إليه من مسئوليات وما حُمل من أمانات أمينا. لون آخر من التعبير عن كراهية الخيانة( إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُور ), ولا يحب لا يرضى عنه ولا ينصره ولا يؤيده، وإنما يغضب عليه, الحب بمعنى الرضا، ولا يحب بمعنى الغضب والعقاب ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُور ) .
وكذلك يقول القران الكريم في قصة يوسف عليه السلام على لسان المرأة أو على لسان يوسف على اختلاف بين المفسرين {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } , لا يهدي يعني لا يوفق, هذه الأمانة هذا عرض سريع للأمانة والخيانة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
أما تفاصيل الحديث عن ميادين الأمانة وعن مجالاتها في لقاءات أخرى بإذن الله تعالى يقول صلى الله عليه وسلم وهو يدعو بان يحقق الله له سعادة الدنيا والآخرة يقول اللهم إني أعوذ بك من الجوع فانه باس الضجيع وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة, الخيانة خسارة الآخرة والجوع خسارة الدنيا,.
أن من علامات الشقاء في الدنيا والآخرة الجوع الفقر في الدنيا والخيانة عندما تلاقي ربك بها يوم القيامة ,اللهم احيي قلوبنا وأيقظ ضمائرنا وحل بيننا وبين الخونة الخيانات والخائنين بما شئت وكيف شئت أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله غياث المستغيثين، الحمد لله صريخ المستصرخين، الحمد لله وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } وأشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان وقاوم الظلم والاستكبار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وأصحابه والتابعين أما بعد:
ومن التوجيهات النبوية في موضوع الأمانة قوله صلى الله عليه وسلم: " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " , الله تعالى لا يمحو السيئ بالسيئ لا يمحو الظلم بالظلم إنما يمحو السيئ بالحسن أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ويقول الله جل جلاله {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} .
أيها الإخوة الأعزاء التدين يرتفع أو هكذا ينبغي أن يكون أثره يرتفع بمستوى الإنسان الفكري والسلوكي والنفسي والاجتماعي ,التدين الذي لا يرتفع بمستوى صاحبه عقليا وفكريا وسلوكيا هذا تدين منقوص أو مغشوش, لماذا نقول هذا الكلام؟ لان الله تعالى أمر بالإحسان في كل شيء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله كتب عليكم الإحسان في كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) كتب عليكم الإحسان والقران يقول إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ , {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } , بل يأمرنا الإسلام أن نأخذ بأحسن شيء في كل مستوى من المستويات, اسمع يا أخي العزيز في الجدال يقول تعالى وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ , {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا} , إذن هذا الإسلام الذي يأمرك بان تأخذ الأحسن من كل شيء يريد أن يرفع مستواك, التدين الذي لا يرتفع بمستوى صاحبه سلوكيا أو فكريا عقليا أو شعوريا هذا تدين لا قيمة له {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} , {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً } ,
{ فَبَشِّرْ عِبَادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } إن الإسلام يريدك أن تكون الأحسن في كل شيء في جدالك الأحسن, في تحيتك الأحسن, في قولك الأحسن {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ }، {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }, الشخصية المتدينة الإسلامية ترتقي دوما، لا تتحول إلى ظاهرة راكدة وبشعة تتبخر مياهها ولا تتجدد, يقول الله تعالى {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } , فلماذا تستقوي على المرأة وتظلمها وتأكل مالها وتتحايل على مؤخرها؟ أيضا هل هذا من الإحسان؟ إن التدين الذى لا يرتفع بمستوى صاحبه هو تدين لا قيمة له, المتدين المتعصب الذي لا يعرف التسامح هل اخذ بالتي هي أحسن؟ لا المتدين الظالم الذي لا يهتم بالنظافة المتدين الفوضوي الذي لا يعرف النظام, انه لم يأخذ بالتي هي أحسن.
إن دعوة الإسلام إلينا، ان حرص الدين الإسلامي أن يرتفع بمستوياتنا, كان المفروض أن يفضي بان تكون أوضاعنا أفضل من أوضاع الآخرين عقولنا أفضل من عقولهم, فلماذا أيها الإخوة الأعزاء نحن متأخرون عقلا ومتأخرون نظاما ومتخلفون سلوكا؟ لماذا هل لأننا أخذنا بأحسن ما أمرنا الله به أم لأننا عشنا حالة من التدين ربما كان مزيفا أو منقوصا أو مغشوشا, إننا نريد تدينا يرتفع بمستوياتنا العقلية والسلوكية والنفسية والاجتماعية.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.