بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين أما بعد:

اقرأ معي يا أخي هذه الآية من سورة الأحزاب {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً } , تأمل قول الله تعالى ليسأل الصادقين عن صدقهم فماذا سيفعل بالكاذبين، إذن فالصادقون يُسألون عن مواقف صدقهم، كيف بلغوا الرسالة؟ كيف أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر؟ كيف دافعوا عن حقائق الدين؟ ما مستوى هذا الصدق؟ كيف كان صدقهم ظاهرا وباطنا؟ قلت في نفسي يسال الصادقين عن صدقهم، حتى الصادقون سيُسألون، فماذا سيكون جزاء الكذابين؟ من عاشوا على خديعة الناس، من روجوا الكذب وأشاعوه، من كذبوا في وعودهم وعهودهم، من كذبوا على إتباعهم، من كذبوا في بيعهم وشرائهم، وقل ما شئت، الواقع إن الكذب أيها الإخوة هو أساس المشكلات في الأمة اجتماعية كانت هذه المشكلات أو سياسية، الكذب هو أساس هذه المشكلات والنزاعات بين الناس، التنكر للعهود والعقود والمواثيق، الخداع والتزوير، ولو أن الناس التزموا الصدق فيما يقولون وفيما يفعلون لانمحت مشكلاتهم، لو توقفت الأكاذيب من هنا وهناك ما سبب فشل الالتقاء بين الناس، هذا يكذب على هذا، لو كف هذا الحزب عن الكذب على ذلك الحزب، لو كف هذا الصحافي عن الكذب والترويج والتهييج، لو كف هذا البائع، لو التزم الكل الصدق، لو خرجت من بيتي وعاهدت ربي على الصدق ألا اكذب على احد، ألا تكذب على احد، ألا تتكلم إلا فيما تعلم  {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } , جرب عاهد ربك عندما تخرج في الصباح على ألا تكذب وان تلتزم الصدق ولو كان على نفسك، جربوا أيها الناس لا تتكلموا فيما لا يعنيكم، لا تبسطوا ألسنتكم فيما تعرفون وفيما لا تعرفون، يُذكر أن عمر بن الخطاب تولى القضاء في عهد أبي بكر فلم يقف بين يديه لمدة عام متخاصمان، لماذا لا يختصم إليه احد لمدة عام؟ لأن الناس حلوا مشكلاتهم بالصدق،الكذب هو المصيبة الكبرى، الإعلام يكذب، والسياسة تكذب، والتجار يكذبون، والآباء والأمهات والمواطنون يقصرون في توجيه النشء، الالتزام بالصدق في وقعة القادسية - الوقعة الكبرى - التي هزمت فيها الدولة الفارسية آنذاك أمام الإسلام، أمر عمر ابن الخطاب سعد ابن أبي وقاص قائد المسلمين أن يحبس أبا محجن الثقفي في شبهات كانت تدور حوله في انه قال أبياتا في الخمر- أبيات من الشعر - وسجن الرجل، لما بدأت المعركة وبدأ القتال عز عليه أن تبدأ هذه المعركة وان يلتحم المسلمون مع الفرس في معركة تاريخية، ثم لا يشارك فيها، فأخذ يرجو زوجة سعد أن تفك قيده ليشارك في المعركة لكنها أبت والتزمت بوصية زوجها القائد، ولما يئس -وكان شاعرا- اخذ يقول :

 كفى حزنا أن ترتدي الخيل بالقنا       واترك مشدودا علي وثاقيا

 إذا قمت عنان الحديد وغلقت         مصانع دوني قد تصم المناديا

 يأسف على الحال التي هو فيها، سمعته امرأة سعد فرقت له، وحلت قيده وأعطته البلقاء فرس سعد، لان سعدا لم يشارك في المعركة لمرض الم به، واخذ فرس سعد لكن بعد أن أعطاها عهدا إن رده الله سالما أن يدخل رجليه بالقيد، وهذه واقعة تاريخية كما قلت، المسلمون يواجهون دولة كبرى آنذاك، يواجهون دولة الفرس، وتوكل على الله وخاض غمار المعركة وقاتل قتال الأبطال، وكان كلما حمل على الكافرين، الناس يستغربون حتى ظن بعضهم انه ملك وسعد يراقب المعركة من قصره ويقول:إن هذا الطعن طعن أبي محجن والصبر صبر البلقاء، ولولا أن أبا محجن في الحبس والقيد لقلت انه أبا محجن وقدر الله وحقق المسلمون نصرا مؤزرا على هذه الدولة ،لم تقم للمجوس بعدها دولة، لكن هذا الرجل المنتصر لم ينتفخ ولا يغتر ولم يفكر في القيادة ولا في أن يخرج على قيادته فرجع ووفى بعهده، ووضع القيد في رجليه، هذا الصدق، كان الصدق عنواناً للأمة الإسلامية، والذي جاء بالصدق وصدق به، كانوا يقرؤون بعيونهم وقلوبهم، كيف أن الله تعالى يتحدث عن يوم القيامة كما لو كان خاصا بالصادقين {قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } , كانوا يقرؤون {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً , لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ},ما قام به أبومحجن عملٌ منقطع النظير لولا انه متواتر لاستغربنا ذلك، يحقق نصرا عظيما ثم يرجع ليضع القيد في قدميه، لا لينتظر الوسام، ولا الدرجة، انه يعامل الله تعالى، لو صدق الناس في كل دوائرهم ومستوياتهم، بدءا من اصغر فرد وصولا إلى الحاكم الأعلى، لصلحت أحوال الناس.

في عهد علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه أوتي برجل وُجد عند جثة عند رجل مقتول، وهذا الرجل الذي وُجد عند المقتول كانت بيده سكين ملطخة بالدم، فقبض عليه الشرطة وأخذوه إلى علي بن أبي طالب إلى رئيس الدولة أمير المؤمنين، قالوا هذا وجدناه والسكين هذه بيده، وبين يديه قتيل يتشحط في دمه، فقال له علي: من قتل الرجل، قال: أنا الذي قتلته، فقال علي: اذهبوا به فاقتلوه، أقيموا عليه القصاص، لا تلاعب في حدود الله، فلما اعترف بلسانه، وقامت عليه الحد وبينما هم ذاهبون به وإذا برجل يأتي مسرعا، ويقول: انتظروا، يا أمير المؤمنين أنا الذي قتلت وليس هذا الرجل، فاجتمع عند أمير المؤمنين رجلان، الكل يقول: أنا قتلته، فوجه حديثه للأول، قال: ما خبرك؟ أنت قتلت؟ قال: والله ما قتلت ، قال: أنا رجل قصاب ذبحت بقرة في الغلس قبل طلوع الشمس، واخذني البول وذهبت لأقضي حاجتي والسكين بيدي تقطر دما من دم البقرة، فلما قضيت حاجتي التفت فما راعني إلا هذا المقتول يتشحط في دمه، فأخذت انظر إليه مذهولا حتى اقبل علي العسس، فعلمت أني غير مصدق، فاعترفت بما لم اجنه واحتسبت نفسي عند الله، لا يريد أن يثير مشكلات، لا يريد أن يدخل الحكومة في دوامة، لكن أمير المؤمنين غضب، وقال له: بئس ما صنعت، نحن امة تضع الحدود بالشبهات، لو قلت لا لم اقتله، نحقق في الأمر، لكن الرجل حسبها في حساب آخر قال أنا لم أكن سببا في مشكلة، وأمير المؤمنين سيعلم الله صدقه وانتهت المشكلة، لكن علي لم يرض، ثم التفت للآخر، وقال له: وأنت، قال: والله أنا الذي قتلته، أغواني الشيطان فقتلت الرجل طمعا في ماله، لكني لما رأيتكم أخذتم هذا البريء، قلت: في نفسي سبحان الله ألقى الله بنفسين لا والله ألقاه بنفس واحدة، هذه آثار التربية الإسلامية العظيمة، ليست تربية مشوهة، إنما هي تربية تزكية، يزكيهم القرآن، لك أن تتخيل يا أخي العزيز هذه الصورة التي يعترف فيها القاتل وقد أتيحت له الفرصة كاملة لإغلاق الملف كما يقولون، لكن الضمير الحي التربية الإسلامية ضغطت على أعصابه، لكن استبطان القرآن وفهم القرآن، جاء له يسرع لينقذ هذا المسكين، لماذا اليوم ربما يضيع قلم رصاص في حلقة من حلقات رياض الأطفال، فتسأل المعلمة من رأى القلم؟ حتى الأطفال يكذبون، ربما كان وراء هذا الكذب أسباب كثيرة، من أهم أسبابه، الخوف ، الرعب الذي تعيشه مجتمعاتنا، خوف في الأسرة من سوء التربية، وخوف في المدرسة، وخوف في المجتمع، أنظمة الحكم في عالمنا العربي والإسلامي في غالبها تعتمد القمع، العدل يورث الثقة في النفس، ويورث الصدق، لكن الخوف يورث الجبن، والجبن يورث الكذب، لا تجد جبانا إلا كذابا، وأنا مالي، لماذا؟ ولذلك أحصى الإسلام مزالق الكذب وأغلقها، لأنه يريد مجتمعا كما قلنا من قبل، يسوده الصدق لتنتهي المشكلات، لقد قلت ذات يوم: لدي برنامج واحد للإصلاح لتوحيد المختلفين، ألا يكذب بعضهم على بعض، وليجربوا هذا شهرا واحدا، فان حالفهم التوفيق فبها و نعمة وان كانت الأخرى فليعودوا ليكذبوا ما يشاءون، فليجربوا أن يتوقفوا عن الكذب الناس المتنازعون المختلفون أن يقول كل منهم الحقيقة ولو على نفسه، الإسلام لم يسمح  للكذب في اصغر الدوائر، لان المؤمن لا يكون كذابا بحال من الأحوال خذ مثلا المزاح النكت، ربما ظن بعض الناس إن هذا المجال يجوز فيه، هذا ترويح عن النفس، إن الإسلام ليس ضد الترويح عن النفس، لكنه يأمرك بالاستمساك بالحقيقة والصدق في كل الدوائر حتى وأنت تمزح، قال صلى الله عليه وسلم: "ويل لمن يحدث بالحديث ليضحك القوم منه فيكذب، ويل له ثم ويل"، الذين يؤلفون النكت والطرائف ليضحك الناس ثم يكذب، الإسلام يرفض ذلك، كان يمزح النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقول إلا حقا لا يقول إلا صدقا ،صدق الحقيقة، المسلم مرتبط بالحقيقة أينما حل وأينما نزل، كيف ما عمل صادق، ليس كذابا أبداً تحت أي ظرف، وقال صلى الله عليه وسلم :"أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب مازحا وان كان صادق"، من مزالق الكذب الشنيعة التمدح المديح والثناء الذي تورطنا فيه، كلٌ يحاول أن يرفع فئته، ولا يفكرون في يوم القيامة إلا قليلا، أبو هريرة يقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفو في وجه المداحين التراب -أن نعفر وجوههم بالتراب المداحون الكذبة الذين يصفون الظالم بأنه عادل والغبي بأنه ذكي والجاهل بأنه عالم لان له مصلحة، كذاب مختلق الكذب، وقد أُبتلينا على مدار تاريخنا، هذا شاعر كذاب يقول لأحد الخلفاء في احد العصور : ما شئت لا ما شاءت الأقدار   فاحكم فأنت الواحد القهار

ماذا ترك لله، أبو الطيب المتنبي في بعض مدائحه أيضا لبعض حكام زمانه يقول:- انظر- يخاطب ممدوحه الحاكم يقول له :

  يا من ألوذ به فيمن أؤمله                  ومن أعوذ به ممن أحاذره  

  لا يجبر الناس عظما أنت كاسره         ولا يهيضون عظماً أنت جابره   

النفع والضر بيدك، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفو في وجه المداح التراب، المدح المبالغ فيه، كان على ابن أبي طالب مشهورا بالفراسة، فجاءه احد المنافقين الكذابين ليمدحه، فاخذ يثني عليه فنظر إليه علي فأدرك انه كذاب، قال له: يا رجل اتق الله، أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك، لأنه لا يضمر لعلي المكانة التي يقولها بلسانه، هناك مداحون تورطوا في الحديث عن ممدوحيهم كأنهم يخاطبون الله وقد أحسن من اخذ هذه المدائح فوجهها لله الأبيات المشهورة التي تقول :

   فليتك تحلو والحياة مريرة        وليتك ترضى والأنام غضاب 

   إذا صح منك الود فالكل هين    وكل الذي فوق التراب تراب

   ويا ليت ما بيني وبينك عامر    وبيني وبين العالمين خراب

 هذه الأبيات قالها أبو فراس في مدح سيف الدولة، الخوف، الجبن، التملك، العصبية القبلية، كل ذلك يدفع الإنسان إلى أن يتملق لمن بيدهم الأمر، هذا ضعف في اليقين والإيمان، في التاريخ، احد الخلفاء ولى ابنه، عهد لابنه بالولاية من بعده، وجلس هو وابنه لتأتي الجماهير تبايع الولد وتهنئ الأب، فكان يأتي الناس يبايعون الولد ثم يرجعون إلى الأب فيهنئونه، فجاء بعض الناس بايع من عقدت له ولاية العهد، ثم جاء إلى الخليفة فقال له: يا أمير المؤمنين أما انك لو لم تول فلانا- ابنه- لخنت الله ورسوله والمؤمنين , كان في المجلس حكيم من حكماء العرب والمسلمين الأحنف ابن قيس، وكان لقبه أبا حاتم، فامتعط من هذا الكلام، فنظر الخليفة إلى أبي حاتم، وقال له: ما لك لا تتكلم يا أبا حاتم، وكان أبو حاتم شأنه كشأن المثقفين المهزومين في زماننا، فقال له: يا أمير المؤمنين أخافكم إن صدقت وأخاف الله إن كذبت، مشكلة إن صدقت فانا أخاف منكم، وان كذبت فانا أخاف الله، انتهى الكلام عند هذا الحد، وخرج أبو حاتم فقابل الرجل الذي قال الكلمة الكبيرة، لو انك لم تول ابنك لخنت الله ورسوله والمؤمنين، فقال له: أبو حاتم ويحك يا رجل كيف تقول هذا الكلام، قال : يا ابا حاتم لقد وضعوا أيديهم على خزائن المال ولا ننال ما تحت أيديهم من مال إلا بمثل ما سمعت، والله إني لأعرف أن ولده وهو أيضا كذا وكذا، ثم قال كلاما غير ما هو هناك، لكن هل يرضى الإسلام بهذا، أيها الأخوة هل يرضى الدين الذي علمنا التوكل وعلمنا أن نستعصم بيقيننا وان نغالي برجائنا في وجه الله تعالى هل يرضى الإسلام بذلك المدح المبالغ فيه؟ هو مزلقة من مزالق الكذب، الإسلام يقول لنا كونوا أوفياء لمبادئكم وعقائدكم، كونوا صادقين في دينكم، وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول: وهو يصف حال الملق الذي يحيط بمن بيده من القوة والسلطان والمال وما شابه، يقول: إذا أقبلت الدنيا على احد سلبته مساوئه، وأعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت الدنيا عن احد سلبته محاسنه، وأعارته مساوئ غيره، في حالة الإقبال تسلبه المساوئ، فان كان غبيا يصبح ذكيا وان كان عاديا يصبح عبقريا، وان كان ظالما يصبح عادلا، هكذا يعلمنا الإسلام ويعملنا الصحابة الكرام حتى لا نتورط، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يربطنا بالحقيقة ويربطنا بالصراط المستقيم، كان جالسا مع أصحابه ذات يوم فمر عليهم رجل ذو هيئة وهيلمان، قال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: يا رسول الله إن هذا حري إن تحدث أن يستمع الناس له أن تحشد له الحشود وان خطب يزوج وان غاب ان يفتقد، فسكت النبي ثم مر عليهم رجل آخر تقتحمه العين، الشكل قصير القامة، قال صلى الله عليه وسلم: وما تقولون في هذا؟ قالوا: يا رسول الله إن هذا حري إن تحدث ألا يستمع الناس له وان خطب لا يزوج وان غاب لا يفتقد، فقال صلوات الله وسلامه عليه وهو يرد الناس إلى ميزان التقوى وميزان الصدق قال: والذي نفس محمد بيده، إن هذا خير من ملئ الأرض من مثل ذاك، اللهم طهر قلوبنا من الغش وألسنتنا من الكذب ويسر لنا سبل الصدق في القول والعمل أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم .

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله غياث المستغيثين، الحمد لله صريخ المستصرخين، الحمد لله وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } وأشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان وقاوم الظلم والاستكبار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وأصحابه والتابعين أما بعد:

فهناك قضية نريد أن نعرض لها بإيجاز لأنها أصبحت حديثا شائعا، هذه القضية هي الحديث فيما يتعلق بالغيبيات، نسمع كثيرا من يتحدث إن الملائكة نزلت في مكان كذا، وشاركت في كذا، ولقد عرض علي بعض الشباب صورا فيما يزعم لبعض الملائكة الذين شاركوا في مقاومة الاعتداء الأخير علينا- الحرب الأخيرة-، تناول المسائل بهذه البساطة أمر يسيء إلى الإسلام، عندما أراني الصورة وقال لي انظر إلى هاتين العينين تذكرت قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} , هذا القرآن الكريم يقول لم تروها، وكيف صورتم هذه الصور؟ كيف؟ الحقيقة إن الله تعالى وضع قوانين أيها الإخوة ونواميس وسنن للنصر والهزيمة، وشاءت إرادته العليا جل جلاله أن يتحرك الإسلام وسط الناس وفق هذه القوانين ،لا بخوارق وغيبيات، للنصر أسباب، وللهزيمة أسباب، الإعداد والتخطيط ووضوح الهدف، التقوى، الإخلاص، القيادة المسئولة، كل ذلك من أسباب النصر، وهناك التأييد الإلهي بلا شك، ولكن الله يقول على لسان الملائكة {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً }, وفي معركة بدر يقول الله تعالى {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ , وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} , وهذا جعل فريقا من العلماء يقولون إن الملائكة لم تباشر القتال بيدها وإنما كانت الغاية من الحديث عنهم بهذا الشكل هو تثبيت المؤمنين وتقوية الروح المعنوية للمسلمين , وعندما تحدث القرآن الكريم عن تجارب المسلمين في بعض المعارك التي هزموا فيها، ذكر أسبابا محددة، في معركة احد قال  {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ} , الإسلام يغلق أبواب الأسطورة، في معركة احد ذكر أسباباً للهزيمة، انتم هُزمتم لأنكم تنازعتم وعصيتم وفشلتم مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ , تكلم عن تجربة أخرى {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } , انتم هُزمتم لأنكم أُعجبتم بكثرتكم، ليس هناك أي مشكلة، يهزم المسلم وينصر إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ , لكن لا ينبغي أن نسمح للخرافة ولاستثمار بعض مقررات الدين الإسلامي بنوع من العبث لا يجوز ذلك، عندما مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم كسفت الشمس فقال: بعض الناس إن الشمس كسفت بسبب موت إبراهيم، كان يقول بعض المخرفين العلمانيين في صحفهم عن بعض الفنانين عندما يموت ثم تمطر السماء يقول السماء شاركتنا الحزن على فلان، الخرافة شاملة للمتدينين وللمتنورين العلمانيين، حتى الآن كبرى الصحف تخصص صفحة لحظك اليوم خرافة وكذب عمت وطفت، فقام بعض الناس فقالوا إن الشمس كسفت من اجل إبراهيم، ولم يرض النبي بذلك وإنما وقف وخطبهم، وقال: أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت احد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فصلوا، الإسلام دين يحتفي بالعقل، والنبي قال قد افلح من رزق لبا، ولقد ذكر القرآن أولي الألباب في ستة عشرة مرة في كتاب الله، فما بالنا أيها الإخوة نغرق في مثل هذه الأحاديث؟ ما بالنا؟ لو أردت أن استقصي اعرف الدوافع النفسية وراء هذا الحديث، لقد سمعت في بعض وسائل الإعلام ورأيت بعيني من يتحدث عن مولود صغير تكلم في المهد، يقول: حدثني بعض الثقات كذا وكذا إلا أن يصل إن هذا المولود الصغير تحمله أمه وركب مع السائق في السيارة، ثم قال السلام عليكم، ثم قال بعد ذلك: أنا الذي سيسلط علي الدجال ولم يسلط على احد بعدي، رأيت هذا في إحدى وسائل الإعلام ،ما هذا أيها الإخوة؟ أنا اعرف أن الأمم عندما تبتلى بالهزائم والضيق وعندما تعيش مراحل التخلف والانحطاط قد تروج فيها الخرافات، لكننا نحن علينا تغيير هذا النحراف، الدور لنا أيها الناس وليس علينا، أنا أريد من الصحوة الإنسانية أن تكون راشدة ورشيدة، أن تكون ذكية وفقيهة، ان تدعم النظام ضد الفوضى، أن تدعم العلم والمعرفة ضد الجهل والخرافة، أريد من الصحوة الإسلامية المعاصرة في بلادنا وبلاد المسلمين أن تقف مع قضايا الناس، وان تنحاز للمظلومين ضد الظالمين، وان تنحاز للحرية وحقوق الإنسان ضد الاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان، هذه القضايا المهمة ينبغي أن تشغل بال الصحوة الإسلامية، هذا هو الإسلام القائم على لا اله إلا الله والله اكبر.

 

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.