بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين أما بعد:
أيها الإخوة نحن محتاجون إلى الصدق بحاجة إلى أن نكون صادقين كحاجتنا إلى الغذاء والهواء، وإذا كان الغذاء والهواء من أسباب بقائنا المادي فان الصدق ،إن المصداقية من أسباب بقائنا واستمرارنا الأدبي والمعنوي ،أن نبقى كأمة محترمة لها دورها في دنيا الناس، نحتاج إلى الصدق في بيوتنا ،وفي أسواقنا، وفي دواويننا ،في كل دوائرنا السياسية والحزبية والعلمية والتعليمية ،نحتاج إلى هذا الصدق كما قلت كحاجتنا الغذاء والهواء والكساء ومقومات الجانب المادي في حياتنا، لان الصدق يا سادة هو الأساس في بقائنا الأدبي والمعنوي والحضاري، لا يمكن لأمة تقوم فيها لا سوق واحدة للكذب وإنما أسواق للكذب لا يمكن أن تتواصل حضاريا وأخلاقيا ومعنويا وأدبيا، قال الله تعالى { فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم },فإذا عزم الأمر: في مراحل الجد ، نريد الصحفي الصادق، والإعلامي الصادق ،والسياسي الصادق، والحاكم الصادق ،اقرؤوا التاريخ، اقرؤوا القرآن، الأمة انتصرت في سالف عهدها بالصدق، أو كما يُعبر أحيانا بالشفافية ، مصداقية في كل شيء، المقاتل العظيم الذي جاء إلى عمر ابن الخطاب ووضع بين يديه كنز ذهب الذي عثر عليه في الحرب، وضعه بين يدي عمر، ثم ولى لم يعرف نفسه لعمر وكان ملثما حتى لا يعرفه احد، فقال عمر: أن قوما أدو هذا لأمناء ما هذا؟ عرب ، بدو بسطاء يخرجون من أعماق الجزيرة العربية لنشر اكبر حضارة مكنت الناس من أفضل المثل والمبادئ الفلسفية والحكيمة ،ويعثر على هذا الكنز ثم يأتي به طائعا مختارا ، الأهداف واضحة في أذهانهم، قوم صادقون، الكذب لم يعرف سبيله إلى قلوبهم ولا إلى ألسنتهم، وقال عمر إن قوما أدو هذا لأمناء، فقال الرجل: -الكلمة المشهورة- يا أمير المؤمنين عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا ،ان أعين الناس معلقة بالناس الكبار أن صدقوا صدق الناس، وان كذبوا كذب الناس، نريد الصحفي الصادق والإعلامي الصادق والحاكم الصادق، الصدق أيها الإخوة بركة ومنجاة، والكذب هلكة ومهواة، الكذاب لا يوفقه الله، الكذاب غير موفق في أي مستوى كان ولو كان بعض الكذابين الكبار كذبهم بمعزل عنا لقلنا: فليكذبوا هم أحرار لكن المشكلة أن بعض الناس كذبهم يرتد على الجماهير، ولذلك في القول المشهور كذبة المنبر بلقاء مشهورة، الكذب له مستويات، الكذب من الأستاذ الكبير ليس كالكذب من التلميذ، الكذب من الملك والحاكم ليس كالكذب من المواطن، الصدق طريق النجاة بركة ونجاة، والكذب هلكة ومهواة، يهوي بها الإنسان في واد سحيق، قال صلى الله عليه وسلم: " عليكم بالصدق فان الصدق يهدي إلى البر وان البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فان الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا " بعض القوى أو الأحزاب تتبع قاعدة غريبة جدا عندنا وفي بلاد الغرب أيضا الغرب هو الذي صدر لنا هذه الفكرة اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس ، لكن محمدا صلى الله عليه وسلم يقول : اصدق ثم اصدق ثم اصدق حتى تكتب عند الله صديقا، لماذا تكذب ؟ من اجل هذه الدنيا، ولا يزال الرجل يصدق ويتحر الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ، إما الذي يكذب ويكذب ويتحر الكذب فيكتب عند الله كذابا والله تعالى يقول {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً }، انظر في أي صف تكون عندما تكتب عند الله صديقا، الصدق تنبني عليه الحياة المحترمة المستقرة النبيلة، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } ان صلاح الحياة واستقرارها مبني على المصداقية أيها الأخوة، أما الكذابون فمصيرهم كما قال الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} , الكذاب كيف يوفقه الله، الذي يعيش خديعة نفسه وخديعة الآخرين، {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } هذه قوانين أيها الإخوة، جلس الحجاج ابن يوسف الثقفي ليقتل بعض الأسرى حكم عليهم بالإعدام من معارضيه ومن مناوئي حكمه، ووقف احدهم إليه وقال: أيها الأمير إن لي عليك حقا قال وما هو قال كنت جالسا عند عبد الرحمن ابن الأشعث وهو أحد معارضي الدولة الأموية والثوار عليها، فسبك فرددت عليه، قال: ومن يشهد لك فقام رجل آخر فقال أنا اشهد له والله لقد رد عنك أمام عبد الرحمن ابن الأشعث عندما سبك، قال خلوا عنه لما فعل ثم قال للرجل الشاهد وأنت ما منعك أن ترد عني كما فعل صاحبك، قال لأني أكرهك، فقال الحجاج، وهذا خلوا عنه لصدقه، لأنه صادق الصدق في زمن الأكاذيب بطولة حقيقية، الكذب ضعف و انحطاط من النماذج التي أكدت عاقبة الصدق المعنوية والأدبية نموذج يوسف عليه السلام عندما تآمر عليه إخوته الكذابون {قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} لاحظ قف بتأمل عند التعقيب على الآية {قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } فهم يعرفون أنهم كاذبون لكن دائماً الكذاب فاقد الثقة بنفسه مهما كان، ما قيمة هذا الكلام هذا الكلام اهتزاز داخلي وعندما تعرف على أخيه ورسم خطة لإبقائه عنده ، ووضع صواع الملك في رحل أخيه ثم استخرجها منه كذبوا أيضا {قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} لكن ماذا كانت عاقبة هذا الكذب والكيد الصغير وماذا كانت عاقبة صدق يوسف ؟ ماذا كانت عاقبة صاحب الشرف الكبير؟ { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ , وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} , ثم جاء الكذابون وجثوا عند قدميه بين يديه {قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} ثم توجهوا إلى أبيهم { قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} قلت أن الإسلام حساس جدا من الكذب لأنه طريق إلى الكفر، لان الكفر كذب على الله سبحانه و تعالى ولعلكم سمعتم الحديث الذي يقول أن المؤمن يكون كذا وكذا وكذا لكن لا يكون كذاب لا يجتمع الكذب والإيمان أبدا نقيضان لا يجتمعان الإيمان تصديق وصدق ،لا يمكن أن يكون متدينا هذا الذي يكذب، ربما يكون متدينا تدينا مغشوشا هناك تدين مغشوش مزيف وهناك تدين حقيقي، الكذاب الذي يصلي ويصوم ثم يكذب سوف نرى فيما بعد ميادين الكذب المتعددة ثم يكذب هذا ليس صادقا في تدينه هذا متدين تدينا مغشوشا ومزيفا قال صلى الله عليه وسلم: " دع ما يريبك إلى مالا يريبك فان الصدق طمأنينة وان الكذب ريبة " وكان صلى الله عليه وسلم في صراعه الفكري مع الكافرين من المشركين وأهل الكتاب كان يتحداهم بالصدق، وكان يعلن اللعنة على الكاذبين، لما حاور النصارى في حقيقة عيسى هل هو بشر أم اله أم ابن اله؟ انزل على النبي القرآن ماذا يقول لهؤلاء يقول تعالى {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ , الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} الكذاب ملعون ايها السادة لا كذب في الإسلام لا يجتمع الكذب والتدين في دين الله، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين، وفي الشئون الأسرية العائلية فيما يسمى بحكم اللعان بين الرجل وزوجته عندما يتهمها بالفاحشة وليس لديه شهود يقول الله تعالى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} الكذاب ملعون، الإسلام يتحدى الآخرين بالصدق الإسلام يبني بنائه على أساس الصدق، الكذب صغيرا كان أو كبيرا مرفوض في منهج الإسلام، نريد امة تنشئ علاقاتها على أساس الثقة المتبادلة، الطما نية، الكذب يقطع أواصر المجتمع، يفقد الناس الثقة بعضهم في بعض، المجتمع الكذاب لا يفلح أبدا، عن عبد الله ابن عامر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا في بيتنا فدعتني أمي وقالت: تعال أعطك، فقال صلى الله عليه وسلم ماذا أردت أن تعطيه؟ قالت أردت أن أعطيه تمرا، فقال صلى الله عليه وسلم: أما والله لو انك لم تعطه لكتبت عليك كذبة، إلى هذا الحد حساسية الإسلام امرأة تنادي ابنها تعال أعطك لو أنها لم تعطه كتبت عليها كذبة، فأين يذهب بوجوههم الكذابون الكبار الذين يكذبون على شعوبهم ويكذبون على أتباعهم و يملؤن السهل كذبا أين يذهبون{ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} هذا التعقيب يعطيك إيحاء كأن التكبر والكبر احد دوافع الكذب، أحيانا يكذب الضعيف ويكذب المتكبر ويكذب صاحب المصلحة - هذه دوافع الكذب- ويكذب الخبيث الذي يريد أن يلغ في أعراض الناس، دوافع متعددة، لكن لما قال القرآن { أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} تعقيباً على الذين ستسود وجوههم يوم القيامة من الكذابين هذا أعطانا إيحاء بأن الكبر أحياناً يكون وراء الكذب لا يريد أن يظهر كأنه أخلف وعده أو كأنه ناقض شعاره ويكذب لكنه لا يضع الحقيقة أمام الناس فمثواه جهنم، وعن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: " من قال لصبي تعال هاك فلم يعطه شيئا كتبت عليه كذبة " حتى يعرف المشرفون على مناهج التربية وعلى مناهج التعليم كيف يُؤَسس أبناؤنا في بيوتنا في أسواقنا في مدارسنا في كل دوائرنا على الصدق،{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}، سألت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت له: يا رسول الله لو أن أحدانا قالت عن شيء تشتهيه إنها لا تشتهيه أيعد هذا كذبا؟ قال نعم إن الكذب يكتب كذبا، وان الكذيبة تكتب كذيبة، أين نفر أيها الإخوة وسوق الكذب رائجة؟ انظر إلى وسائل الإعلام وما تحمل، انظر إلى كل ما حولك ،أن الكذيبة تكتب كذيبة، وقال لصواحب عائشة ذات يوم عندما اعتذرن عن الأكل أمرهن أن يأكلن وقال لا تجمعن كذبا وجوعا عندما اعتذرن عن الأكل، مما يؤسف له أيها الإخوة رواج الكذب وانتشاره لكن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة له تنبأ بهذا الواقع اسمع مثلا يقول صلى الله عليه وسلم: " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد ويحلف ولا يستحلف " يبادر بالشهادة مجاناً،كذاب كبير تحركه الرغبة والرهبة، تحركه المصلحة يحركه الانحياز الظالم سياسيا أو اجتماعياً، ثم يقول صلى الله عليه وسلم:" لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن ويكثر الكذب وتتقارب الأسواق – تتقارب الأسواق ربما كان هذا إشارة إلى تعقيد العلاقات الاقتصادية وأن الإنسان وهو جالس في بيته يستطيع أن يعقد صفقة مع آخر في آخر الدنيا - ويتقارب الزمان ويكثر الهرج، قيل ما الهرج يا رسول الله؟ قال القتل "،ثم الحديث المشهور ربما سمعتموه كثيرا، يقول صلى الله عليه وسلم: " تأتي بعدي سنوات خداعات – سنوات يكثر فيها الخداع ينتشر فيها الزيف والتزوير ، الحقيقة تُظلم وتُغطى ويُهمش أصحابها ، الخداع هو الذي يروج وينتشر وينتفش - يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويخوَّن فيها الأمين ويؤمن الخائن وينطق في الأمور الرويبضة، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرويبضة، فقال: الرويبضة السفيه أو التافه يتكلم في الأمور العامة، أي في الشأن العام وفي مصاير الناس،هو تافه في ذاته لكن رفعته حظوظ سيئة جعلته يتكلم في أمور الناس، احمد شوقي عندما رثى الخلافة تنبأ بعد سقوط النظام السياسي الإسلامي بالفتن والأكاذيب ففي آخر قصيدته التي رثى فيها الخلافة يقول:
ولتسمعن بكل ارض داعيا يدعو إلى الكذاب أو لسجاح
ولتشهدن بكل ارض فتنة فيها يباع الدين بيع سماح
يفتى على ذهب المعز وسيفه وهوى النفوس وحقدها الملحاح
الفتوى أساسها الدليل من الكتاب أو السنة أو الاجماع أو القياس أما في هذا الزمن النكد يقول أحمد شوقي :
يفتى على ذهب المعز وسيفه وهوى النفوس وحقدها الملحاح
يصبح في هذا الزمن الذي تكلم عنه شوقي أسس الفتوي بدل كتاب الله وسنة رسوله والاجماع والقياس تصبح السيف والذهب والهوى والحقد ، انظر ،والله هذا شيء غريب جداً أن يستطيع شاعر أن ينظم هذه المعاني في بيت واحد،تصور غريب للتطور الاجتماعي ،أيها الأخوة الأعزاء ، هناك دوافع متعددة للكذب ودوائر سنذكرها فيما بعد،لكن ألا ترون بعد ذلك كله أننا نحتاج إلى القيام بحملات ضد الكذب كما تفعل الدول بحملاتها ضد التدخين وفي مكافحة المخدرات، أو كما تفعل الحكومات حملات لجمع فواتير المياه والكهرباء، نريد حملات ضد الكذب نريد أن نضع لافتات في الشوارع ومفارق الطرق والمدارس والجامعات لا تكذب أيها السياسيون لا تكذبوا أيها الحكام لا تكذبوا يا رؤساء الأحزاب لا تكذبوا أيها الآباء أيتها الأمهات أيها الناس لا تكذبوا اصدقوا كل في دائرته حتى نرى ثمرة الصدق ونتيجته اطمئنانا واستقرا وسعادة .
أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الحمد لله غياث المستغيثين، الحمد لله صريخ المستصرخين، الحمد لله وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } وأشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان وقاوم الظلم والاستكبار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وأصحابه والتابعين أما بعد:
ماذا بقي في موضوع النكبة شيء لم تسمعوه أيها الإخوة لقد قال الناس والمتحدثون كل شيء، لكن إذا تحدثنا في هذا الموضوع فهو من باب التذكير يذكر بعضنا بعضا، وإلا فقد سمعنا كل شيء ولم يبقى شيء لم يقل خاصة في عالمنا العربي نحن عرب، وكما قيل الحكمة عندما نزلت من السماء توزعت على ثلاثة شعوب على اليونانيين، وعلى الصينيين وعلى العرب، فنزلت على اليونانيين في عقولهم فكان منهم سقراط وأرسطو وأفلاطون، ونزلت على الصينيين في أيديهم فكان من امهر الناس صناعة ونزلت على العرب في ألسنتهم فكانوا أكثر الناس كلاما وخطبا بلا فائدة، الإسرائيليون يحتفلون بالذكرى الحادية والستون لاستقلالهم كما يزعمون، ونحن بماذا نحتفل أيها الأخوة الأعزاء، النكبة جاءت بعدها نكبات أو كما قال القائل: ولو كان هما واحدا لاحتملته ولكنه هم وثان وثالث
جاءت بعدها نكبات، وهاهي النكبة في ذكراها الحادية والستين وتأتي ونحن في أسوء أحوالنا، ونحن تعاهدنا على أن نكون صادقين لا نكذب، من أراد أن يكذب فليتحمل مسئوليته، لكن أوضاعنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنفسية والدينية، بلا شك أنها غير ما كان يتمنى المخلصون منا، الانقسام الغول البشع ما زال يواصل هجمته على معالم قضيتنا وعلى أسسها، ما الأهداف التي نسعى إليها؟ أين من يحمل هم هذه الأهداف صدقا وحقا ؟ مشكلاتنا الخاصة والعامة، جماهير الناس أيها الإخوة تريد أشياء محسوسة بين يديها لا تريد أن تسمع جعجعة ثم لا ترى طحنا، لماذا لا يتوحد الفلسطينيون لماذا لا يكونون جهة واحدة تتحدث باسمهم أمام العالم وتطالب بحقوقهم؟ أم أننا كمن كان يحلم بشيء ونرى شيء أخر، كنا نحلم بدولة فأصبحت لنا دولتان، لا باس وزير هنا ووزير هناك، حكومة هنا وحكومة هناك ،إلى متى أيها الإخوة ونحن نرجع القهقرة؟ نريد أن نتقدم أيها الناس واحد وستين سنة قلت في الخطبة التي تلت الحرب مباشرة قلت لو أن الأمور صارت سيرها المستقيم لأن الله ربطنا بالصراط المستقيم ربطنا بالحقيقة { اهدنا الصراط المستقيم } اسأل نفسك كم مرة تقر}ها ،لو أن الأمور صارت باستقامة لكان بعد هذه المدة لكانت طائراتنا هي التي تحوم هناك، لكن كنا ننتظر العودة سنة بعد سنة، ومرحلة بعد مرحلة حتى فوجئنا باحتلال بقية فلسطين في عام سبعة وستين وأخذ المسجد الأقصى و بناء المستوطنات مازال قائماً على قدم وساق والحفريات، ثم توجنا هذه المسيرة المرة بما هو أمر، بهذا الانقسام وتوجنا هذا الانقسام بهذا التعقيد الذي نسمعه ونقرأ عنه، أنا لا املك في هذه المرحلة إلا أن اذكر نفسي وأذكركم وأنت تعرفون يقينا أكثر مني بما لا يقاس في تفصيلات قضيتنا، الآية الأولى {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} إياك أن تخدع نفسك أو تنخدع بغيرك، أحفظ هذه الآية واجعلها وردا لك ماذا غيرت من نفسك حتى يتغير ما بك، أن الحكماء الكبار يقولون غير نفسك يتغير التاريخ، ما العادة التي غيرتها؟ ما الفكرة السلبية التي تحررت منها ؟ ما المستوى الجميل والحسن الذي ارتقيت له ؟ نغير الكذب إلى الصدق، الفرقة إلى الوحدة، الكسل إلى الهمة و النشاط، البخل والأنانية إلى التضحية والجود والكرم، وكذلك باقي الأخلاق السلبية والصفات الرديئة، الآية الثانية {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } سمعت قول الله تعالى سمعت عتابه أولا يروا أنهم يمتحنون، كم مرة امتحنا أيها الإخوة؟ كم مرة لذغنا؟ لماذا لا نتوب ولا نتذكر؟ معنى لا يتوبون ولا هم يذكرون أي لا يحدثون تصحيحا لسلوكهم، لا يذكرون أي لا يحدثون تغييرا في منهجهم الفكري، الأمم التي تمتحن وتفتن وتصاب يجب أن تحدث تغييرا على مستويين، على مستوى السلوك وعلى مستوى الأفكار، أما الآية الثالثة فهو قول الله تعالى في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم{ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} لا جديد تحت الشمس التاريخ يعيد نفسه بالمناسبة، تتغير الأدوات والاشكال الجوهر هو هو، {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ , فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} هذا هو التحدي هذه هي المشكلة رقم واحد ولكن قست قلوبهم قسوة القلوب، الرقم الثاني، وزين لهم الشيطان ما كانو يعملون، هل لنا أن نعزم عزمة رجال فنتجاوز هذين البلاءين نتجاوز قسوة القلب، ونتجاوز الإعجاب الذاتي، لكل منا بما لديه، وزين لهم الشيطان ما كانو يعملون، كل حزب بما لديهم فرحون، أمامنا تحديات كبيرة أيها الإخوة نفسية وعقلية واجتماعية وسياسية، نريد رجالا يرتفعون إلى مستوى الإسلام.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.