بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين أما بعد:
ففي الدعاء المأثور" اللهم لا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا"، والملاحظ ان الناس في هذه الايام وربما في ايام سابقة وفي أيام لاحقة تسيطر عليهم حالة من الهلع المادي، حالة من الاندفاع الجنوني نحو المال، ونحو الدنيا والاستكثار من هذا المال والبخل به والحرص عليه، والشح في بسط اليد ، واغلب الناس لا يفكر الا في تحصيل المال، وكيف يجمع اكبر قدر منه، وكثير من هؤلاء ربما لا يفكر في الوسائل التي يكسب منها هذا المال، هذه حالة اكاد اقول انها جنونية، او حالة من الهلع كما تحدث القران الكريم عنه في سورة المعارج، وقبل ان نتكلم عن هذا الموضوع من خلال كتاب الله وسنة رسوله، اريد ان اقول ان هذا الامر وهو الهلع المادي والاندفاع الجنوني وراء المال ربما كان مرتبطا بالسياسات يخطط لها من لا يريدون لنا الخير، بمعنى ان هناك محاولات لا اقول تدبر بليل انما تدبر بليل ونهار، هذه الخطط تريد ان تجعل من هذه القضية السياسية أو الأساسية المركزية للأمة الإسلامية قضية فلسطين قضية المسلمين قضية العالم ، تريد ان تجعل منها مسألة انسانية تحل عبر الصدقات، وعبر المنح ،وتريد ولو بالتدريج ان تحول هذا الشعب العظيم المناضل المقاوم المجاهد المضحي الى شعب متسول ولا يفكر الا في هذه المصالح الذاتية ، ربما كان هذا الوضع او هذه الحالة التي عبرت عنها بالاندفاع الجنوني او بالهلع بتعبير القران الكريم، ربما كانت هذه الحالة مرتبطة بهذه المخططات، لا تجد الا من يحدثك عن المال وعن المساعدات وعن المنح وإلى آخر ما يقع في دنيانا هذه الأيام، يقول الله تعالى في وصف هذه الحالة وفي علاجها {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً , إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً , وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً } , والمتحدث الله سبحانه و تعالى الذي خلق الانسان ويعلم تركيبة نفسه، وفسر القرآن في هذه الآيات معنى الهلع إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً عند الافتقار عند المكروه عندما يمسه الشر فهو محبط كئيب يائس متضجر متذمر جزوعا هذا معنى الجزع , وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً عندما يبسط الله له الرزق هو يقبض يده، فتسيطر عليه حالة من الشح {إِلَّا الْمُصَلِّينَ } , لان الصلاة الحقيقية بالمعنى الذي يريده الإسلام هي عملية تطهير من الجزع والمنع، لا يمكن للمصلي الطاهر الذي يعرف معنى الصلاة ودلالتها، ويعرف ما يتخلل الصلاة من مناجاة ومن داعاء ومن قرآن لا يمكن ان يكون بخيلا شحيحا مناعا للخير، ولا يمكن ان يكون جزوعا أي يائسا وهو يبدأ صلاته بالتكبير الله اكبر ويتخلل الصلاة التكبير مع الركوع ومع السجود ومع الاعتدال وإلى آخره، ومعنى التكبير هنا أيها الأخوة انه مطاردة لكل ما يذل الإنسان من أطماع ، ومن مطامح، الله اكبر مما تطمح اليه، والله اكبر مما تطمع فيه، فالمفروض ان الصلاة تشكل إنسانا متعاليا، انسانا نظيفا ، تشكل إنسانا مستقيما، ولذلك عرّض القرآن بالمصلين الذين لا يدركون هذه المدلولات وهددهم، فقال تعالى {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ , الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} , الذين لا يتفكرون في دلالات هذه العبادة الخطيرة، هذه العبادة المهمة، ساهون عن دلالاتها وليس عن أوقاتها فقط، {الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ , وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } , وفي شرح هذه الحالة التي تصيب كثيرا من الناس يقول صلى الله عليه وسلم :"يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ أمن الحلال أم من الحرام " وهذا حديث أخرجه الإمام البخاري , يريد أن يجمع جمّاع، نهّاب، بالسرقة، باللصوصية، بالتسول، لأن هذا الموضوع مسيطر على كيانه ، وهناك رواية أخرى فيها زيادة، تقول هذه الزيادة فإذ ذلك – أي عند إذن - عندما يقع الناس في هذه الدائرة فإذ ذلك لا يجاب لهم دعوة، عندما تختلط المشارب عليهم فلا يميزون بين الحرام والحلال، فكيف يستجاب لهم ؟ واعتقد أن هذا الحديث بهذه الزيادة يجيب على تساؤلات الكثير منا، ممن يستغرب ويتعجب أحيانا لماذا لا يستجاب لنا ؟ يدعو شيوخنا على المنابر وندعو في الصلوات ويدعو ءإمتنا ولا نرى استجابة لذلك ، يقول صلى الله عليه وسلم : فاذ ذلك عندما لا يبالي الناس أمن الحلال أم من الحرام كسبوا هذه الأموال فإذ ذلك لا يجاب لهم دعوة , وعلى كل الأحوال هذه طبيعة قد تولد مع الإنسان ، والقرآن لا يتنكر لها، لكن القرآن يدعو إلى تهذيبها والى التطهر منها ، والى الارتباط بالقيم العليا، وليس الغرق في هذه الغرائز {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } , هكذا يقول القرآن حتى يرفع مستواك حتى يحررك من العبودية حتى لا تكون عبدا لا لذاتك ولا أهوائك ولا لهذه الغرائز، {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ} , هناك قضايا مركزية ومهمة في حياتك هناك مصير هناك آخرة، يا جامع الأموال يا من يقلقكم الخسران البسيط أحيانا هناك قضية أخرى، وفي تأكيد هذه الحالة او هذه الطبيعة النفسية يقول القرآن { وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ } كأنها جبلت عليه، لكن في موضع آخر {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا , فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } , فنفسك فيها طبيعة مزدوجة قابلة للخير وقابلة للشر ، قابلة أن تتعاطى مع طبيعتها فتكون نفسا كاّزة شحيحة بخيلة لئيمة ، ويمكن عن طريق المجاهدة ان تكون نفسا زكية تقية {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا } بالعطاء والبذل والمجاهدة {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } , ومن الآيات العجيبة الغريبة جدا وهي عجيبة لأنها تصف واقع الإنسان وصفا دقيقا، تأمل ما يقوله الله في سورة الإسراء وهو يتكلم عن بخل الإنسان، وعن حبه لذاته وعن كزازته و شحه يقول تعالى {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُوراً } , و الحمد لله لا يتحكم احد غير الله في هذه الخزائن {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }، وأحيانا من باب المحنة والامتحان والفتنة يتحكم بعضنا في بعض هذه الأرزاق في الدنيا -هكذا ارادة الله- ثم انظر ماذا يحدث يا سيدي في من يقدم ومن يؤخر، ويبسط يده للجهة الفلانية، ثم يقبضها عن الجهة الفلانية، لان الله قال لو انهم يسيطرون على خزائن الله لبخلوا بها على عبيده، لكن الله سبحانه و تعالى يسخر الشمس للكافر والمؤمن والعاصي والفاسق والمطيع ، والهواء للجميع، رب كريم رحيم يعطي الإنسان الفرصة وراء الفرصة كي يتوب ويتراجع، وانظر أيضا وهو يشخص نفسي ونفسك القرآن ويجعلنا نطأطأ رؤوسنا خجلا عندما نتلمس هذه الصفات وهذه الخصائص فينا {كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ , وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } , لا يحض بعضكم بعضا على فعل الخير ، والنبي يقول خير بيت أو أحب بيت إلى الله بيت يكرم فيه يتيم { كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ , وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ،وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً } , ما معنى " أكلا لمّا " أي أكلا لا يفرق بين حلال وحرام، أكلا لما كل ما يقع تحت يده فهو له {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً , وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً } , وأسوء الصفات أيها الإخوة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ان يجمع الإنسان بين الجبن والبخل ان يجمع الإنسان بين أسوء صفتين قال صلى الله عليه وسلم: " شر ما أعطي المرء شح هالع وجبن خالع" شح يورث حالة من الحرص الشديد والهلع وجبن ينخلع قلبه في مواطن المواجهة ،هناك ارتباط بين الصفتين لا تجد بخيلا إلا جبانا، ولا تجد جبانا إلا بخيلا، وتأمل حولك والنماذج اعتقد أنها لا تعوزكم أيها الأعزاء {إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ , وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ , وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } , المال، {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ , حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } , تبقى هذه الغريزة مسيطرة على هذا الإنسان المستسلم لها حتى الموت، وعندئذ يكون أمام الحقيقة وجها لوجه، والقرآن حذرنا و نبهنا قال عيشوا للقضية الكبرى عيشوا للآخرة، عيشوا للدين، عيشوا لمصيركم عند الله {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ } , لكن الإنسان أراد أن يكون من صف الهمزة اللمزة , الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ , يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ , ربما يتصور المسكين ان هذا المال سوف يخلده، ورسولنا صلوات الله وسلامه عليه في أحاديثه العظيمة يصور هذه النماذج، في الحديث المشهور وهو حديث صحيح لكن مشهور بين الناس والعامة يحفظه الجميع ربما " لو كان لابن ادم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن ادم إلا التراب ويتوب الله على من تاب "، ولقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذرنا القرآن الكريم من هذه الآفة المصيبة، يقول صلوات الله وسلامه عليه : "فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني اخشي عليكم الدنيا ان تبسط عليكم كما بسطت على الذين من قبلكم فتنافسوها فتلهيكم كما ألهتهم ", كما ألهتهم عن قضاياهم تلهيكم أيضا عن قضاياكم فيما يفكر الناس حدثوني ؟ إلام يسعى الناس ؟ فلنسأل أنفسنا، لقد نجح أعداؤنا في مخططاتهم، لا تقل لي المؤامرة كبيرة و،و...، نستطيع أن نواجه بخطط منزّهة عن الأغراض منزّهة عن المصالح، لكن هذا الدمار النفسي والاجتماعي والمادي الذي يعيشه المجتمع هو من جراء التفكير المادي، كيف تحولت هذه القضية المقدسة التي عليها ينبني مستقبل العالم، ومستقبل المسلمين طبعاً، لأنها قضية الإسلام و المسلمين، إنها قضية عنوانها مسجد المسجد الأقصى القدس، وتحفظون النصوص الدالة على قدسية هذه القضية، لكن ما الذي يحدث كيف تحول شعبنا اعذروني وآسف أن أقول الغالبية تتسول، وحكوماتنا التي تمثلنا قائمة على التسول إنها تبسط يدها إلى الكفار، لو سألت احدهم عن مصير هؤلاء الذين يتولون المنح لقال مصيرهم إلى جهنم وبأس المصير، لكن يدهم العليا وأيدينا السفلى، وفي حديث آخر للنبي صلى الله عليه وسلم :"إني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوها" أن تعودوا إلى الشرك، بعض الناس تقلقه هذه المسألة كثيراً ( الشرك - الكفر ) اطمئن إن الله يدافع عن الذين آمنوا ، دافع عن نفسك، والتوحيد لاخوف عليه، وقال صلى الله عليه وسلم وهو يكرّهنا ويبغّضنا في العبودية لمثل هذه المسائل المادية : " تعس عبد الدينار " والله هذا تعبير عجيب جدا لسيدنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يتكلم عن عبودية " تعس عبد الدينار " هذا إعجاز، ألا ترون بعض الناس لا يصبح ولا يمسي وهو يسأل عن الدينار والدرهم " تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة – ملابس كان يلبسها الناس آن ذاك -إن أعطي رضي، وان لم يعط لم يرض "، المال محور حياته ان امتلأ جيبه سرّ وانشرح وابتسم، إن أعطي رضي وان لم يعط لم يرض تذمر وتضجر وسخط، ما الحل أيها الإخوة؟ الحل يطرحه القرآن و يطرحه الإسلام، الإسلام لا يريد منك ان تهرب من الدنيا وان تنخلع من المال، لا، إن الإسلام جاء ليرشّد الدنيا، وان دينا لا يمتلك الدنيا لا مستقبل له، لكن الإسلام أمرك بالتوازن، انظر ماذا قال لقارون {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} , لم يقل له اترك هذه الدنيا وانخلع قال له {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} , سخر دنياك لآخرتك وليس أن تنسى الآخرة للفانية،{ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} , الإسلام يريد منكم ان تتوازنوا، اطلب اجمع من الدنيا ما شئت، لكن ليكن ذلك مرتبطا بقضية المصير، أما أن تنسى يا أخي قضية الآخرة وقضية العزة والكرامة والإيمان والاسلام والإحسان و التعاون، وتتحول الى عبد للدرهم والدينار، هذه هي المصيبة التي نعاني منها في كثير من شرائح مجتمعنا ،لابد أن تستحضر قضية الامتحان والابتلاء، الغنى والفقر في الدنيا مرتبط بامتحان الهي { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ} , أي أنهم لا يدركون ما هم فيه من امتحان وابتلاء، التعفف العفة القناعة ارض بما قسم الله لك تكن اغني الناس، انظر كيف يمتدح أولئك الفقراء والمحتاجين لكنهم أعزاء النفوس يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وهذا قد ترى بعض الأغنياء جدا لكن بمظهره الخارجي ربما تحس انه بحاجة إلى من يتصدق عليه، وقد تجد بعض الفقراء جدا لكنه نظيف عفيف عزيز، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ، التوازن بين الدنيا والآخرة، التعفف، الامتحان، عدم نسيان الآخرة تذكروا أننا سننتقل إلى الله تعالى ، ففي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم :" يقول ابن ادم مالي مالي وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو أعطيت فأقنيت عند الله سبحانه و تعالى"، ويقول صلى الله عليه وسلم :" من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع الله عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق الله عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له "، العفة والقناعة، والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنع، والنفس كالطفل ان تهمله شب على حب الرضاع وان تفطمه ينفطم ،هذا القلق الذي يصيب بعضنا هو وساوس الشيطان، والله تعالى وهو يعدنا إلى المهمات الكبرى في هذه الدنيا ويزرع فينا عقيدة اليوم الآخر يقول { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء }. الكذب، والرشوة، والسرقة، واللصوصية، والنهب، ورفع الأسعار،واستغلال المحتاجين كل ذلك جري وراء الربح حرام، هلع، حالة من الهلع لا مثيل لها، كذاب يصلي في الصف الأول لكنه قلق لو نقص الربح قليلا ،آمن بالله يا أخي فلنؤمن بالله جميعا {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } , تتحكم في دواء الناس وغذاء الناس وفي وقود الناس،لا يشبعون، لا يملأ جوف ابن ادم إلا التراب. أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الحمد لله غياث المستغيثين، الحمد لله صريخ المستصرخين، الحمد لله وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } وأشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان وقاوم الظلم والاستكبار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وأصحابه والتابعين أما بعد:
الشاعر يصف هذه الحالة النفسية الغريبة حالة القلق من المستقبل في الجانب المادي فقط هو لا يقلق قلقا ايجابيا من اجل أمته من اجل حتى ابناءه، لا يقلق، انما يقلق قلقا ذاتيا في هذا الجانب المادي، كيف سأجمع أكثر؟ كيف سأكسب ؟ ما هي الطريقة التي سأصل فلان أو إلى الجهة الفلانية، هذه الحالة النفسية بهذه المواصفات هي أسوء من الفقر بل هي الفقر عينه :
ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقر الذي فعل الفقر
أي فالذي فعله هو الفقر نفسه، ثم أيها الإخوة الأعزاء الحياة لا تدوم على حال كما تعرفون وكما قرر القرآن الكريم ذلك عندما قال { وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ }, يوم لك ويوم عليك، تتغير الأحوال، ويعجبني في هذا احد الناس رجل قال لحاكم وهو يعظه قال له: اتق الله كان هذا الحاكم معتدا بسلطانه وملكه فوعظه الرجل وقال له اتق الله لو كان الملك يدوم لأحد ما وصل إليك فكما غادر الآخرين سيغادرك ،قم بمهماتك على خير وجه وخذ بأسباب البقاء، وخذ بشروط الديمومة، الملك يدوم مع العدل مثلا، والظلم مؤذن بالخراب، والله سبحانه وتعالى قال للمنتصرين العظام لأصحاب محمد وهم راجعون من معركة بدر من الانتصارالعظيم قال لهم { وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ} ,ان كانت الأيام معك فلا ينبغي أن تبطر، وان كانت الأيام والليالي عليك فينبغي ان تصبر وان تلجا الى الله تعالى ولا تكن كالمغفلين الذين يقال لهم يوم القيامة {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ } , في تبدل الأحوال وعدم دوامها، اخرج الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له ناقة تسمى العظباء ، وهذه الناقة كما تقول الرواية لا تُسبق، لا يسبقها جمل ولا ناقة فجاء أعرابي فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين وقالوا: سُبقت العظباء ناقة النبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ان على الله حقا ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه، العظباء كان لا يسبقها احد فجاء أعرابي فسبقها، ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع , وهذا درس لمن هم في المناصب العليا، لمن هم في مواقع يتحكمون فيها الناس ،عليهم ان يعرفوا سنة الله في خلقه وان يتواضعوا، وألا يتكبروا، وان يتركوا الفخر والمباهاة، إن القرآن الكريم خاطب نبيه عندما فتح مكة وانتصر الانتصار الكريم ودخل الناس في دين الله أفواجا قال له:{ فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا}.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.