بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين أما بعد:
تأمل معي قول الله تعالى {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ } , هذا صنف من الناس تراه في كثير من المجتمعات مجسما أمامنا تكاد تلمسه بأطرافك يتكبرون على آيات الله ويتكبرون في الأرض بغير الحق ولا تلفت أنظارهم آيات الله في الأفاق وفي الأنفس وفي التاريخ وفي الواقع هناك شيء معقم فجزاهم الله جزاء وفاقا على كبريائهم وعلى تعطيلهم هذه الأدوات في التفكير والموازنة , دلائل عظمة الله دلائل توحيد الله في الأنفس وفي التاريخ الشيء الخطير هنا ان لدى هذا الصنف إصرار عجيب على الضلال صوره القران في قوله تعالى وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ سبيل النجاة الخير النجاح سبيل الهداية الاستقامة وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ سبيل الضلالة إصرار عجيب في مثل هذا المعنى يقول الله تعالى وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ , أنساهم ويصلح شانهم كلما قرأت مثل هذه الآيات نظرت في أحوالنا هل نحن نسلك سبيل الرشد ونصر عليه أم أننا نسلك سبيل الغي ونتشبث به هذا الانقسام الضار الذي الحق بنا الضرر الحق بقضيتنا الحق بوجودنا بشكل غير مسبوق متى ينتهي من أي سبل هذا الانقسام هل هو من سبل الرشاد أم من سبل الغي هل نصر عليه ان كان سبيلا من سبل الرشاد نحن الفلسطينيين أحوج الناس الى اجتماع الكلمة الى توحيد الصف فلماذا يبقى هذا الانقسام البشع بين الفلسطينيين هذا الانقسام الضار والإسلام في كل توجيهاته يدعو الناس الى ائتلاف القلوب والمشاعر واتحاد الغايات والمناهج وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ , كيف نمر على هذه الآيات كيف تقرؤونها كيف تتأملونها والخطاب لجميع المسلمين قادة وساسة وإتباعا لابد ان تأتلف القلوب والمشاعر وان تتوحد الغايات والمناهج وحدة الصف والتقاء الكلمة سر بقاء الأمم والشعوب كيف تنجح الأمم في أداء رسالتها كيف تنجح في تحقيق أهدافها وكلمتها مبعثرة وصفها متفرق ونحن يفرض علينا صراع مرير تحديات شرسة ينبغي ان نضع كل الاعتبارات دبر أذاننا وتحت أقدامنا إلا ما فيه مصلحة لديننا ووطننا وإنساننا ان الإسلام جعل كلمة التوحيد بابا له وجعل توحيد الكلمة سرا في البقاء فيه والإبقاء على دولته {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ } , وما أظن ان القران يعني بالصف هنا فقط الصفوف المتراصة بعضها خلف بعض لان هذه الأساليب في القتال تتغير بتغير الزمان والمكان إنما يريد وحدة الكلمة نريد وحدة القلوب والأهداف موحدين مجتمعي الكلمة ان الناس أيها الإخوة ان لم يلتقوا على الحق فرقهم الباطل , فماذا بعد الحق إلا الضلال نفسك ان لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل ان لم يجتمع الناس على الحق فرقهم الباطل ان لم يجتمعوا في ظل عبادة الله مزقتهم عبادة الشهوات والأهواء ان لم يشغلهم التعلق بما عند الله من نعيم قامت بينهم المعارك الطاحنة على حطام الدنيا وعلى متاع الدنيا وان نبينا صلى الله عليه وسلم يحذرنا من هذا التطاحن الدموي وهذه انقسامات التي تحركها الحزازات الانقسامات الى أحزاب متناحرة ويقول لنا احذروا ان هذا من شان الكافرين من لا يؤمنون بالله يضرب بعضكم رقاب بعض هناك اختلافات يتسع لها صدر الإسلام اختلاف اجتهادية في السياسة في بعض الأفكار اختلافات فرعية ليست مدعاة الى العداوة والبغضاء ليست مدعاة الى الانقسام والمواجهة بعد ان رجع المسلمون من معركة الأحزاب وجه النبي المجاهدين الى بني قريضة بوحي من الله وقال لهم اذهبوا الى بني قريضة ولا يصلين احد منكم العصر إلا في بني قريضة لكن أدركهم العصر في الطريق وهناك من صلى قال إنما أراد النبي استعجالنا وحثنا على الوصول اخذ بالتأويل والمعنى وان نهي النبي إنما يأتي كناية عن ضرورة الاستعجال وفريق أخر اخذ بظاهر الأمر لم يصلي وعادوا الى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف النبي احد منهم هذه مسالة اجتهادية لكنهم لم ينقسموا على أنفسهم إنما صفهم النبي صفوفا صفوفا للصلاة في المسجد وصفهم النبي جميعا للقتال معه في مواجهة الكفار قد أقف انا وأنت على مفرق طريق تقول أنت هذا الطريق الموصل وأقول انا هذا الطريق الموصل ونتحاور ويقدم كل منا دليله وحجته لكن ان نشتبك ان نتقاتل ان نتطاحن معنى هذا ان هناك أمرا تخفيه النفوس لا يمكن ان يتم التطاحن على أي طريقين اصح والاتكال بدوافع موضوعية بحتة أبدا قيل لبعض الشيوخ أدرك الناس في المسجد يوشك ان يتقاتلوا فقال علام قالوا له صلاة التراويح هناك من يريد ان يصليها ثمانية وهناك من يريد ان يصليها عشرين ركعة قال ثم ماذا قالوا أنهم ينتظرون فتواك قال فتواي ان يغلق المسجد ولا تصلى التراويح البتة فلا قامت نافلة تهدم فريضة , التراويح نافلة ووحدة المسلمين فريضة وأنا اقرأ هذه الفتوى تخيلت لو ان بعض شيوخنا سئل هذا السؤال هل سيجيب كما أجاب هذا الشخص أم سينحاز الى فريق ضد فريق آخر ولو سالت الدماء وكأنها قضية القضايا الإسلام يؤلف القلوب أيها الناس ينظم عملية الخلاف أين يجب ان تتفقوا أيها المسلمون وأين يمكن ان تختلفوا من تعاليم الإسلام لوقاية الأمة الإسلامية من غوائل الشقاق والحزازات قال حتى في إزالة المنكر قال العلماء إذا ترتب على إزالة منكر ما منكر اكبر منه فالإبقاء على المنكر الأول أولى متى يفهم المسلمون معالم دينهم إذا أردت ان تغير منكرا وترجح لديك انه سيترتب عليه منكر اكبر فالإبقاء على المنكر الأول أولى إتباع لقاعدة اخف الضررين يروي الإمام ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين قصة طريفة عن الإمام شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية يقول كان شيخ الإسلام ابن تيمية هو وبعض أصحابه في زمن التتار مروا على جماعة من التتار يشربون الخمر فأراد بعض أصحاب الإمام ان ينهى التتار عن شرب الخمر فأنكر عليه ابن تيمية وقال له دعهم إنما نهانا الله عن الشرب الخمر لانها توقع العداوة والبغضاء وتصد عن الصلاة وعن ذكر الله اما شرب هؤلاء للخمر فانه يصدهم عن قتل الأنفس واخذ الأموال دعهم لان النهي هنا سيترتب عليه منكر اكبر سوف يفيق هؤلاء التتار ويقتلون المسلمين إذا غلغلت النظر جيدا في أسباب الخلافات والنزاعات والحزازات التي تراها بين المسلمين وبيننا هذا الانقسام الذي نعاني منه الانقسام الضار السيئ الذي نعاني منه ماذا يكمن ورائه ما هي الأسباب الكامنة ورائه إذا أمعنت النظر واستقصيت في البحث لا تجد إلا حب الدنيا الأثرة العمياء حب الجاه السلطة والله انا هكذا أرى لا أرى أسبابا توجب هذه الفرقة وسكين العدو على الأعناق {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } , ان الفرقة الشنيعة تحدث عندما يتخلى الناس عن مواثيقهم ان الأمم القوية أيها الإخوة يضعفها الشقاق فكيف بالأمم الضعيفة إذا كان الأمم القوية تضعف إذا أصابتها النزاعات الداخلية فان الأمم الضعيفة تموت ان لم ننهض جميعا موحدين كيف نحقق أهدافنا ان لم تنهض جميعا موحدين فسوف يستفرد العدو بنا واحدا واحدا انظر والمسلمون راجعون من معركة بدر من انتصارهم الكبير كيف حدثهم القران عن الأولوية المهمة بالنسبة لهم تطلعتم نفوسهم الى حقوقهم من الدنيا وتعلقت شهواتهم الى الغنائم لكن القران الكريم ردهم الى الأولوية التي ينبغي ان تتشبث بها الشعوب والأمم في اللحظات الحرجة والحاسمة وهي ان يتذكر الناس ما عليهم وليس مالهم {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } , هذه أولويتكم اهتموا بالأخلاق اهتموا بجبهتكم الداخلية تشبثوا بدستوركم ومنهجكم وحددوا أهدافكم وامتلكوا الرؤيا الواضحة للأهداف والوسائل ثم بين لهم شرط الانتصار وإحراز القوة , وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ , إذن الوحدة سبب القوة وسبب الانتصار وبعد ذلك في سورة الأنفال حذرهم من يتكالموا على الدنيا شان من لا يرجو ثواب الله واسمع قول الله تعالى وهو يخاطب أفضل العصور وخير القرون وهم راجعون من أعظم انتصار {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } , هذه عظات وعبر معركة بدر هناك أولويات للجبهة الداخلية وتشبث للوحدة لتحقيق الانتصار هناك نكران للذات وعدم التعلق بمكاسب هذه الحياة فلما تلقوا اللطمة الموجعة في معركة احد ورجعوا المدينة وهم يشعرون بمرارة الهزيمة وشماتة الأعداء مع أنهم في المناسبة كانوا يستحقون الفوز المبين لأنهم مؤمنون بالله وابدوا في معركة احد بطولات فارعة لا مثيل لها لكن افهمهم ان التنازع افقدهم النصر الاستراتيجي في معركة احد معصية النبي ولذلك يقول تعالى {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} , أما ان لنا أيها الإخوة ان نسلك طريق الرشد أما ان لنا أيها الفلسطينيون أيها المنكوبون أيها الممتحنون نكبة وراء نكبة وامتحان وراء امتحان متى لابد ان نستيقظ ولابد ان تتحرك حواسنا الداخلية حتى ننبذ وسائل الفرقة وأنا اعتقد ان الأولوية بان يتحد هذا الشعب الذي تعد له السكاكين من كل جانب أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم. قرأت على شريط إخباري في إحدى الفضائيات خبر يقول ان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يدعو المسلمين لتخصيص الأسبوع القادم للصيام والابتهال من اجل فتح معبر رفح الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مرجعية كبرى لعلماء المسلمين في العالم مرجعية كبرى ومهمة لكل قضايا المسلمين وما يهمهم من مشكلاتهم الدينية والحياتية ويقف على رأس هذا الاتحاد عالم من اكبر علماء الأمة ونائبه كذلك والأمين العام لهذا الاتحاد ولهم جهود مشكورة غير منكورة وبالمناسبة نحن معهم أيضا نبتهل وندعو ان يفتح الله معبر رفح وجميع المعابر المسالة لافتة للنظر هل تقلصت قضية فلسطين في هذه المسالة أين معالم القضية الكبرى أين معالم من سيصوم ويبتهل لوقف الحفريات تحت الأقصى من سيصوم ويبتهل من اجل هدم ان كان المسالة سوف تتكشف عن خارق للعادة يفتح المعابر ويوقف الحفريات ويهدم الجدار إذا كان هذا التوجيه للمسلمين بدافع الاهتمام بالقضية الفلسطينية فالقضية الفلسطينية أعمق واعقد من ذلك هذه الأزمات التي نعاني منها هي تداعيات لمشكلة كبرى أيها الإخوة نحن محتلون الاحتلال الثاني من عام سبعة وستين منذ أكثر من أربعين سنة وفلسطين المحتلة منذ أكثر من ستين عاما وهذه القضية قضية الإسلام والمسلمين نحن بلا شك نرحب بكل موقف يدعمنا لكننا نستغرب أحيانا من اختزال المسائل أنا قرأت الخبر نصوم ونبتهل والله انا في البداية ظننت ان هناك دعوة لصلاة الاستسقاء دعوة مثلا للتوبة دعوة الحكام والقادة والأحزاب والتنظيمات السياسية والنخب الثقافية للتوبة من الفكر المنحرف والسلوك المنحرف توبة الأحزاب من التعصب وضيق الأفق ان واجب اتحاد العلماء ان يضع يده على أسباب الفشل والضياع الذي يعاني منه المسلمين ولا يظن احد إننا لا نريد تفتح المنافذ من هنا وهناك نحن نتمنى دوما ان يمن الله علينا بالحرية والاستقلال لكن نريد من علمائنا الأفاضل ان يضعوا الأمور مواضعها إننا نخاطب الاتحاد العالمي لعلمائنا لنسأله ماذا تقول في الانقسام الذي يعاني منه الفلسطينيين أما يستحق ابتهالا ودعوة منكم لتوحيد الفلسطينيين أمام عدو شرس ادعوا الله ان يوحد صفنا ان يقف معنا طالبوا المسلمين بالتوبة كان بعض الصالحين إذا تطاول عليه بعض السفهاء توضأ وصلى ركعتين وقال اللهم اغفر لي هذا الذنب الذي سلطت به هذا علي فوجهوا الناس الى التوبة ليتوبوا من الذنوب الذي سلطت الأعداء عليهم على المسلمين وأوقعتهم في هذا المأزق الذي هم فيه .
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.